العقيدة ، لأن التفكير بالمثل المضروب هنا مسئولية هامة يتحدد على أساسها الموقف من الحقائق التي يكشفها ، فاللّامبالاة في مثل هذه الأمور قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك الدائم على مستوى العقيدة وخط السير.
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). تجسد هذه الآية الكريمة ، عجز الهة الكافرين المطلق أمام أصغر مخلوقات الله وأحقرها ، في صورة رائعة ، تسخر من فكرة ألوهية هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله.
وأيّ صورة أبلغ من تلك التي تضع الآلهة ـ بكل ما توحيه صفة الألوهية من قوّة ـ في مشهدين ، أحدهما : اجتماعها على خلق ذبابة واحدة وعجزها عن ذلك ، بالرغم مما تبذله من جهد في هذا السبيل ، وثانيهما : مشهد الذباب ، في كل ما يجسّده هذا المخلوق الصغير من معاني الضعف والصغر والحقارة ، من حيث الحجم والقدرة الجسمية ، وقد اندفع إلى هؤلاء الآلهة الكبار ، ليسلبهم شيئا ، أي شيء ، فإذا بالآلهة يركضون خلفه ، ويلهثون لاسترجاع ما أخذه ولاستنقاذ ما سلبهم إياه ، فلا يسترجعونه منه ، ولا يستنقذونه من براثنه ـ إن كان للذباب براثن ـ؟! إنه أسلوب يجرّد هؤلاء من صفات الألوهية من جهة ، ويعرّضهم للسخرية والاستهزاء من جهة أخرى ، ويؤثر على موقف هؤلاء الذين اعتقدوا بهم وعبدوهم من دون الله ، عند ما يجدون أنفسهم في حالة لا يحسدون عليها ، لأنها لا ترتكز على أساس ، ولا توحي بالاحترام إن لم توح بخلافه.
إنه الضعف المتبادل بين الطالب والمطلوب ، إذ يعيش كل واحد منهما نقطة ضعف تختلف في طبيعتها عن نقطة ضعف الآخر ، فإذا كان أحدهما قويا في جسده ، فقد يكون ضعيفا في حركته ، وإذا كان الآخر ضعيفا في جسمه ، فإنه يملك القوّة في سرعة حركته.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
