فيتفاعل مع البذور المنتشرة فيها ، فيختلط بها في عمليّة نموّ وتفاعل ، فإذا به يتمثل نباتا (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ) من حب الزرع وثمر الشجر (وَالْأَنْعامُ) كالحشائش وغيرها ، ويمتد هذا النبات حتى تزدهر به الأرض ، (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها) في مظهرها الرائع وحسنها العجيب (وَازَّيَّنَتْ) بحلتها الخضراء الملوّنة القشيبة (وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) من خلال مظاهر الحياة المتنوعة في حركتها ، وقوّة سيطرتهم على أوضاعها وشؤونها الماديّة مما يوحي إليهم بالامتداد بعيدا في الاطمئنان والإخلاد إليها ، والاستسلام إلى ما يشبه الخلود فيها ، ولكنها الغفلة المطبقة التي تطبق على فكرهم وروحهم وحياتهم ، هي التي تساهم في إثارة أجواء التخييل والوهم الكبير ، فتبعدهم عن العمق الذي يعمّق لهم الفهم الواقعي للحياة ، ويعرّفهم طبيعة الفناء الكامنة في داخل كل ظاهرة من ظواهرها ، وكل ذرّة من ذرأت المادة فيها.
وتستمر الغفلة حتى تأتي الصدمة ، التي تصدمهم بالواقع المفاجئ ، وتعيدهم إلى حقيقتهم الفانية ، وذلك ما أشار إليه الله في قوله ـ سبحانه ـ (أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً) يتطاير في الهواء فلا يبقى هناك أيّ شيء في الأرض ، فلا خضرة ، ولا جمال ، ولا حياة ، وإنما هو الموت المتمثل في هذا الجفاف الذي يأكل كل حيويّة في هذا الجو المعشب المليء بالخضرة والحياة ، فيتحول إلى أوراق يابسة لا تملك إلّا أن تتحول إلى تراب خفيف تعبث به الريح الخفيفة والعاتية ، فيتطاير هنا وهناك ، ويذهب مع الريح في أجواء الفراغ والضياع ، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم يكن هناك شيء قد أقام وامتد وازدهر واخضرّ ، فقد زال كل شيء ولم يبق هناك حتى الذكرى ، وذلك هو المثل الحيّ الذي يوحي بالفكرة التي تثير في النفس المعنى الحيّ ، الذي يربط الإنسان بواقع الحياة والموت والدنيا والآخرة ، ليعرف موقع الحياة من مصيره ، فهي حركة في رحلة الوجود إلى الموت ، فلا مجال للاستسلام إليها في أوهام الخلود الخادع ، من خلال الأمل الكاذب. (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ)
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
