مجالا للعذر ، أو يثير لديه الدوافع الخيّرة ، ليظهر كل ما عنده من نوازع وأفكار وآفاق نفسيّة ، لتكون الحياة ساحة تلتقي عليها التجربة الإنسانية بأوسع مداها وأقوى دوافعها ، فلا يبقى هناك مجال لتجربة جديدة يحاول أن يحتج بها الإنسان في تقصيره أو في انحرافه. وإذا كان الإنسان يستعجل في مواجهة حالات التمرّد لأنه يريد أن يستجيب لنداء الانفعال في نفسه ، ويخاف فوات الفرصة عنده ، فإن الله لا يعجل ولا يخاف الفوت لأنه يدرك كل شيء ولا يفوته شيء ، لأن الحياة خاضعة له في مستقبلها ، كما هي خاضعة له في ماضيها وحاضرها.
* * *
الله لا يستجيب لعجلة الإنسان
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ) فيستجيب لهم في ما ينطلقون به من انفعال ، ويعاملهم بما يريدون (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) وأنفذ أمر الله بهم ، لأن الله لا يعجزه شيء في ما يريد ، ولكن الله لا يفعل ذلك ، بل يتركهم لأنفسهم ولضلالتهم ليتحمّلوا مسئولية عملهم ، وليواجهوا الموقف بطريقة حاسمة لا تدع لديهم مجالا للتبرير ولا للعذر (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) ولا يؤمنون باليوم الآخر بل يستسلمون للحياة الدنيا ، ويستريحون إليها ، ويتمردون على كل قيم الخير والحق والعدل ، وندعهم (فِي طُغْيانِهِمْ) على الحق وأهله (يَعْمَهُونَ) أي يتحيرون أشدّ الحيرة ، لأنهم مهما أوحوا لأنفسهم بمنطق العذر ، فإنهم لا يشعرون بالأساس الوثيق الذي يرتكزون عليه ، بل يجدون ـ بدلا من ذلك ـ الاهتزاز في القناعات والمشاعر والمواقف ، وهكذا يعانون عذاب الحيرة والقلق ، قبل أن يعانوا عذاب الله في الآخرة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
