المدينة ، ورجع النبي من غزوته وجاؤوا يعتذرون ، فهم لم يتأخروا عنه تمرّدا وعنادا ونفاقا وعصيانا ، ولكنه أراد أن يلقنهم درسا ، ويعلّم الآخرين شيئا منه ، فأمر المؤمنين بمقاطعتهم ، حتى جاءت نساؤهم ، فأمرهن النبي باعتزالهم ، فصاروا في عزلة خانقة ، حتى أنهم كانوا يأتونهم بالطعام والماء فيضعونه أمامهم من دون تحيّة ولا كلام. ومضت عليهم خمسون ليلة في هذا الجوّ الخانق ، (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) فلم يجدوا ملجأ يلجأون إليه ، لأن القضية ليست قضية ضيق المكان ، بل هي قضية ضيق الجو النفسي الداخلي الذي يوحي إليهم بالطرد من المجتمع ، والبعد عن رحمة الله ، وبذلك يعيش الإنسان حالة السجن في الأفق الرحب (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) فأحسوا بما يشبه الاختناق (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ) فهو الرب الرحيم الذي يسع عباده بالرحمة ، فيغفر لهم أخطاءهم ويعفو عن ذنوبهم ، فلا مرجع إلا إلى رحابه ، ولا ملجأ إلا في كنف رحمته ، فمهما هرب العبد منه ، فإنه يرجع إليه (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) بعد ما اطلع على صدق موقفهم وصحة إيمانهم (لِيَتُوبُوا) ويرجعوا إليه ويستقيموا في طريقه ويتحركوا في هداه ويسيروا مع المسيرة الإلهية ، بكل ما تفرضه من مسئوليات ، وما تواجهه من مشاكل (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الذي يقود عباده إلى التوبة ويتقبلها منهم ويشملهم برحمته.
وهكذا عاد هؤلاء الثلاثة ، وهم كعب بن مالك الشاعر ، ومروان بن الربيع ، وهلال بن أميّة الواقفي ، ودخلوا في المجتمع الإسلامي من جديد ، ليكونوا أعضاء عاملين صالحين ، بعيدا عن كل ما يثقل حركتهم ، ويضعف موقفهم ، ويبعدهم عن تحمّل مسئولياتهم في حركة الإسلام من جديد. وتلك هي قصة القافلة في مسيرتها الطويلة ، التي قد يتساقط فيها الكثيرون ، ولكن الله يفسح لهم المجال للرجوع إليه من جديد ، ليأخذوا بأسباب القوّة بعد الوقوع في وهدة الضعف ، وينطلقوا في اتجاه المسؤولية بعد أن ابتعدوا عنها. وهكذا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
