القرآن يجيب عن هذا السؤال.
(وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) فقد كان يأمل أن يستقيم أبوه على الصراط ويرجع إلى الله ، لأنه كان يعتبر حالة الانحراف التي يمر بها حالة طارئة لا تعقيد فيها ، ولا عمق لها ولا امتداد في شخصيته ، فيمكن لها أن تزول ، وينطلق إبراهيم في استغفاره له من هذا الموقع الذي يطلب فيه الهداية له ، لينفتح قلبه ، ويصفو فكره ، وترقّ مشاعره ، وتشرق حياته ، فيلتقي بالله من أقرب طريق. ربما كان يفكر في هذا الاتجاه ، من موقع الرغبة في أن تربح العقيدة إنسانا جديدا ، ومن موقع العاطفة التي تتحرك في خدمة الرسالة من أجل أن توحي لهؤلاء الذين تتعاطف معهم ، بأنّ المشاعر تحتضنهم بالحبّ والرحمة ، ليحتضنوا الحقيقة في مشاعرهم من أجل أن تحتضنهم في أفكارهم. وبقي هذا الأمل ينمو في روحه وضميره وعقله ، حتى استنفد كل تجربة وأسلوب وشعور ، ولكنه تضاءل وتضاءل حتى سقط في التراب وانكشفت له الحقيقة ، إن هذا الإنسان ليس مجرد حالة طارئة ، بل هو عقدة مستعصية مستحكمة. إنه الكفر المتجسد في وحشية الفكر في الإنسان ، إنه عدو الله في فكره وفي عمله ، إنه يخلص للحجارة التي يصنعها أصناما يتعبد لها ، ولا يرضى بأن يتعبد الله الذي صنع له وجوده ، إنه لا يرضى بأن يفكر ويتأمل ويحاور ليكتشف خطأ فكره وضلال طريقه. إنه يدافع عن انحرافه بعناده وإصراره ، لأنه يخاف من التغيير. (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) لأن الله أقرب إليه من كل إنسان ، لأنه الخالق الذي أمدّه بالحياة ، ومن خلال كل هذه القوانين التي كان منها قانون ولادته من أبيه ، فهو الأول والآخر في وجوده وحركة حياته. (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ) يعيش التأوّه أمام الله في أجواء الخشوع والخضوع له ، (حَلِيمٌ) في قلبه المفتوح وروحه الكبيرة ، يعفو عند المقدرة ، ويفتح قلبه للناس.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
