ولكننا لا نحسب أن المسألة تحتاج إلى مثل هذا التحليل ، أو أنها تتجه هذا الاتجاه في تفسير الآية ، فإن الظاهر منها الدعوة إلى العمل تحت رقابة الله والرسول والمؤمنين ، في ما يمثله ذلك من تعميق الإحساس بالمسؤولية في حركة العمل في نفس الإنسان من خلال وعيه للرقابة الشاملة من جميع الجوانب ، وربما يؤيّد هذا المعنى الفقرة التالية : (وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) الذي أحاط بكل شيء علمه ، في ما يخفيه الإنسان أو يظهره (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لأن النبي والمؤمنين إذا رأوا الأعمال ، فإنهم لا يملكون الحكم عليها وعلى أهلها ، فالله هو الحاكم في عملية التقييم ، لأنه المطّلع على خفايا الأمور وبواطنها.
* * *
المرجون لأمر الله
(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) فلم يحسم أمرهم ، وتركهم لإرادته في يوم القيامة ، فأخّر إعلان الحكم عليهم إلى وقت مّا (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) لأنهم مارسوا ما قد يستحقون العقاب عليه ، في الوقت الذي يملكون فيه بعض الصفات أو الأفعال التي قد تؤهلهم للمغفرة لهم والتوبة عليهم. وقد قيل إنها نزلت في قوم تخلّفوا عن النبي في غزوة تبوك فلم يخرجوا معه ، ثم ندموا على ذلك ، ولكن سبب النزول ـ لو صحّت روايته ـ لا يمثّل حدود الآية في خصوصيته ، بل يمثل المنطلق الذي انطلقت الآية منه لتتسع في كل مورد مماثل (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) عند ما يعذّب أو يعفو ، فهو يعلم المصلحة هنا أو هناك ويتصرف بالحكمة في هذا أو ذاك.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
