دعاء النبي لهم بما يمثله النبيّ من روحيّة سامية متصلة بالله قريبة إليه. وأيّ سكينة أعظم من السكينة التي يعيشها الإنسان في رحاب الله من خلال رسوله ، حيث كل الحياة لله في الأفق الأعلى في أجواء القدس والملكوت ، (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يسمع الدعاء فيستجيب له ، ويعلم عمق الإخلاص في الإنسان ، فيرحمه ويعفو عنه ويشمله بلطفه ورضوانه.
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) فهو الذي خلقهم وعرف مكامن الضعف في نفوسهم وعرف كيف يتساقطون أمام التجربة الصعبة من خلال نوازعهم الذاتية ، فأراد لهم أن يتراجعوا عن الانحراف ويأخذوا بأسباب القوّة من جديد ، لتستقيم لهم الشخصية الإنسانية التقيّة المؤمنة ، ففتح لهم باب التوبة ، بأوسع مجالاته ، ودعاهم إليها ، ووعدهم بقبولها والاستجابة لها ، ووجّههم إلى الانفتاح على هذا الجانب من العقيدة ، في آفاق المعرفة ، ليعلموا سعة رحمته ، وعظيم عفوه ، لئلا يسقطوا في عقدة المعصية أمام وهدة اليأس. (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) التي يقدمونها في سبيله ، من أجل الحصول على رضاه. وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة : «إن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب» (١) ، لأن معنى الإنفاق في سبيل الله ، يوحي بانطلاق العطاء له ، فهو الغاية في ذلك كله ، وهو الذي يجزي المعطي عوض عمله (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الذي لا يرد تائبا عن ساحته ولا يمنع مذنبا عن رحمته.
* * *
__________________
(١) البحار ، م : ٣٤ ، ج : ٩٣ ، ص : ٨٣ ، باب : ١٤ ، رواية : ٥٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
