ولن يهدأ قلقهم أمام الحساب العسير الذي ينتظرهم من قبل المسلمين ، على ما انحرفوا عنه من خطّ الجهاد ، فيحاولون أن يواجهوا الموقف بالحلف بالله ، ليؤكدوا سلامة موقفهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) أي لتسكتوا عنهم ، فلا تواجهوهم بالعتاب والتأنيب والمحاسبة الدقيقة على أعمالهم ، فهم لا يطمعون ـ في البداية ـ أن تجدوا لهم العذر الملائم ، بل قد يكتفون بالسكوت عن الحديث عن الموضوع من ناحية المبدأ. ويريد الله أن يوجه المسلمين إلى أن ذلك لا يمثّل عقدة مستعصية ، لأنّ الله لا يريد لنا أن نجعل الموضوع شغلنا الشاغل الذي نثيره بمختلف الوسائل ، لأن ذلك قد يمنحهم أهميّة لا يستحقونها. وقد تكون المصلحة أن يكون الموقف منهم موقف اللّامبالاة إمعانا في تحقيرهم وفي إلغاء دورهم المميّز في المجتمع (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) في ما تمثله الكلمة من معنى القذارة المعنويّة المتصلة بقذارة الفكر والروح والضمير ، ممّا يوحي بأنّ على الناس أن يواجهوهم من هذا الموقع وبهذه النظرة ، تماما كما هو الموقف أمام القذارة الحسيّة التي تفرض الابتعاد عنها بكل نفور واشمئزاز (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) انطلاقا من خط العدل الذي يحاسب الناس على أعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ.
(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) وهذه هي المرحلة الثانية التي يفكرون في الوصول إليها ، فإذا لم يذكرهم المسلمون بسوء ، كان ذلك ضمانة لهم ليدخلوا إلى عواطفهم من أقرب طريق ليحصلوا على الرضا عنهم ، ولكن الله يقول للمسلمين إنهم إذا أرادوا تحريك عواطفهم في خط رضاه ، فينبغي أن لا يرضوا إلا عمّن يرضى الله عنه ، فإذا ابتعدوا عن ذلك ، فلا يغيّرون شيئا من الموضوع (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) الذين لم يقف بهم الفسق عند حدود الجانب العملي من الخطيئة ، بل تعدّى ذلك إلى الجانب
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
