الجهاد من أجل إعلاء كلمته في الأرض ، وفي خطّ الخير العام الذي يراد به دفع مستوى الحياة على أساس الغايات التي يريد الله للحياة أن تصل إليها في حركة الإنسان في الأرض ، (وَابْنِ السَّبِيلِ) الذي انقطع في سفره ، فلم يجد ما ينفق به على نفسه ، أو يرجع به إلى بلده (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) وليست مجرد عمل خيري ذاتيّ ، يملك الناس الحريّة في ممارسته وعدم ممارسته ، بل هو فريضة لازمة يلتزم بها الناس على أساس العقاب والثواب (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فهو العالم بحاجات الناس وبمواقعها ، الذي يشرّع لهم الحلول لمشاكلهم من مواقع الحكمة.
وإذا كانت الصدقات تمثل سدّ الحاجة لأمثال هؤلاء الناس ، فلا يملك النبيّ أو غيره أمر التصرّف فيها في غير مواردها ، فكيف يطمح هؤلاء المنافقون ، أن يعطيهم النبيّ بغير حساب ، تماما كما لو كان المال ماله الشخصي الذي يملك حرية التصرف فيه؟ هل يتصورونه ملكا كبقية الملوك ، أو أميرا كبقية الأمراء ممن ينطلق حسابهم من خلال حاجتهم لتكثير أتباعهم وتدعيم سلطتهم على حساب الأهداف الكبيرة للإنسان والحياة؟ ولهذا فهم يحددون موقفهم منه في رضاهم وسخطهم على أساس ما يبذله لهم من مال ، وما يقدّمه من امتيازات. إنّ الله حدّد لرسوله مصارف ذلك كله ، فإذا كانوا من مصارف الصدقات ، فعليهم أن يعرفوا أنّ لذلك حدّا محدودا لا يتجاوزه إلى غيره ، أمّا إذا لم يكونوا من مصارفها ، فلا مجال لهم بأن يأملوا بشيء من ذلك ، لأن النبي لا يتجاوز حدود الله ، في ما جعله للأشياء من حدود وضوابط.
وذلك هو ما ينبغي لهم أن يعرفوه من شؤون التشريع في حدوده وتطبيقاته العملية.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
