من المبيّن دون جنس. ولذلك قال : (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ) (١) وقال : (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (٢) وقال : (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (٣) فكرر في مواضع ذكره أنه مبين.
فالقرآن أعلى منازل البيان ، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه ، من تعديل النظم وسلامته ، وحسنه وبهجته ، وحسن موقعه في السمع ، وسهولته على اللسان ، ووقوعه في النفس موقع القبول ، وتصوره تصور المشاهد ، وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف ، مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة.
وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ، ما يذهل ويبهج ، ويقلق ويؤنس ، ويطمع ويؤيس ، ويضحك ويبكي ، ويحزن ويفرح ، ويسكن ويزعج ، ويشجي ويطرب ، ويهز الأعطاف ، ويستميل نحوه الأسماع ، ويورث الأريحيّة والعزّة. وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا ، ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيدا. وله مسالك في النفوس لطيفة ، ومداخل إلى القلوب دقيقة.
وبحسب ما يترتب في نظمه ، ويتنزل في موقعه ، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه يكون عجيب تأثيراته ، وبديع مقتضياته. وكذلك على حسب مصادره ، يتصور وجوه موارده.
وقد ينبئ الكلام عن محل صاحبه ، ويدل على مكان متكلمه ، وينبه على عظيم شأن أهله ، وعلى علو محله.
ألا ترى أن الشعر في الغزل ، إذا صدر عن محب كان أرق وأحسن ، وإذا صدر عن متغزل وحصل من متصنع نادى على نفسه بالمداجاة ، وأخبر عن خبيئه في المراءاة. وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن الشجاع ، فيعلم وجه صدوره ، ويدل على كنهه وحقيقته.
وقد يصدر عن المتشبه ، ويخرج عن المتصنع ، فيعرف من حاله ما ظن أنه يخفيه ، ويظهر من أمره خلاف ما يبديه ، وأنت تعرف قول المتنبي (٤) :
|
فالخيل والليل والبيداء تعرفني |
|
والحرب والطّعن والقرطاس والقلم |
__________________
(١) آية (١٣٨) سورة آل عمران.
(٢) آية (٨٩) سورة النحل.
(٣) آية (١٩٥) سورة الشعراء.
(٤) سبقت ترجمته.
