في قوله : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (١).
هذه الكلمات الثلاث ؛ كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره ، وكالياقوت يتلألأ بين شذوره. ثم تأمل تمكن الفاصلة ، وهي الكلمة الثالثة ، وحسن موقعها ، وعجيب حكمها ، وبارع معناها.
وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر ، ولكني قد بينت بما فسرت ، وقررت بما فصلت الوجه الذي سلكت ، والنحو الذي قصدت ، والغرض الذي إليه رميت ، والسمت الذي إليه دعوت.
ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك عليه ، وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز في مواقع الآيات القصيرة والطويلة والمتوسطة. فأجل الرأي في سورة سورة ، وآية آية ، وفاصلة فاصلة ، وتدبر الخواتم والفواتح ، والبوادي والمقاطع ، ومواضع الفصل والوصل ، ومواضع التنقل والتحول ، ثم اقض ما أنت قاض. وإن طال عليك تأمل الجميع ، فاقتصر على سورة واحدة ، أو على بعض سور.
ما رأيك في قوله : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً. يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (٢) هذه تشتمل على ست كلمات ، سناؤها وضياؤها على ما ترى ، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد ، ورونقها على ما تعاين ، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل ، وتفسير ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق ، بذبح الولدان ، وسبي النساء. وإذا تحكّم في هذين الأمرين ، فما ظنك بما دونهما؟ لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم ، والقلوب لا تقرّ على هذا الجور.
ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد ، وكفت في التظليم ، وردت آخر الكلام على أوله ، وعطفت عجزه على صدره.
ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (٣) وهذا من التأليف بين المؤتلف ، والجمع بين المستأنس ، كما أن قوله : (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
__________________
(١) آية (٣٤) سورة النمل.
(٢) آية (٥) سورة القصص.
(٣) آية (٥) سورة النمل.
