فاستدار نحو القبلة بقدرة الله.
قوله : (وَجْهَ النَّهارِ) [٧٢] أي أول النهار. قوله : (وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) [٧٣] أي كثير العطاء يقدر بقدرته الأزلية أن يعطي جميع ما يسأل ، وهو المحيط بكل شيء ، كما قال : (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) [طه : ٩٨].
وسئل عن قوله : (وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [٧٩] قال محمد بن سوار : الربّاني الذي لا يختار على ربه أحدا سواه ، وهو اسم مشتق من الربوبية. وقال سهل : الربانيون هم العالمون في الدرجة من العلم بالعلم. كما قال محمد بن الحنفية (١) ، لما مات عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : لقد مات هذا اليوم رباني هذه الأمة (٢). وإنما نسب إلى الرب لأنه عالم من علمه. كما قال : (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم : ٣] ، فنسبه إلى النبوة بما علمه الله عزوجل. وكل من أنبأك بخبر موافق للكتاب والسنة فهو منبئ. والعلماء ثلاث : رباني ونوراني وذاتي بلا واسطة بينه وبين الله تعالى فيه بقية من الله عزوجل. وقال عمر بن واصل : الربانيون هم المجموعون من العلماء ، كما قال علي رضي الله عنه : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. قوله : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) [٨٥] قال : الإسلام هو التفويض كقوله : (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [١٠٢] أي مفوضون وكذلك قوله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) [١٩].
وسئل عن قوله : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [٩٢] أي لن تبلغوا التقوى كلها حتى تحاربوا أنفسكم ، فتنفقوا بعض ما تحبون ، ولا إنفاق كإنفاق النفس في مخالفتها وطلب مرضاة الله عزوجل. وحكي عن عيسى عليهالسلام مر بثلاثة نفر نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا : الخوف من خالقنا ، والحذر من عقوبة عصياننا فقال : حق على الله أن يؤمن الخائف. قال : فجاوزهم إلى ثلاثة هم أشد نحولا ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا : الشوق إلى ربنا. فقال : حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم. فجاوزهم إلى ثلاثة نفر هم أشد نحولا ، كأن وجوههم البدور ، قال : ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا : الحب قال : أنتم المقربون ثلاثا ، فمن أحب الله تعالى فهو المقرب ، لأن من أحب شيئا تسارع إليه ، فالمرتبة الأولى مرتبة التوابين ، والمرتبة الثانية مرتبة المشتاقين ، ثم يبلغ العبد المرتبة الثالثة ، وهي المحبة ، ألا ترون أنهم كيف اتفقوا كلهم فيمن الكل له ، وأعرضوا عن الكل إلى من له الكل؟.
__________________
(١) ابن الحنفية : محمد بن علي بن أبي طالب (٢١ ـ ٨١ ه) : أحد الأبطال الأشداء في الإسلام ، وهو أخو الحسن والحسين. كان واسع العلم ، ورعا ، أسود اللون. (الحلية ٣ / ١٧٤).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٦ / ٣٨٣ ، وفضائل الصحابة لابن حنبل ٢ / ٩٥٥.
