وزهده (١).
ولكننا نلاحظ على ذلك أن أمر عيسى ، في ولادته العجائبية وفي معجزاته الخارقة ، أكثر قوة من أمر يحيى ، لا سيما أن يحيى لا يزيده كثيرا في العمر بالدرجة التي يتقدم فيها اجتماعيا ليكون عيسى بحاجة إليه في تأييد رسالته ودعم موقفه.
كما أنّ الحديث عن عيسى لم يكن معروفا في تلك المرحلة ، لأنه ليس واردا في الذهنية العامة ، حتى أن والدته السيدة مريم كانت تجهل كل شيء من أمره ، ولذلك كان حملها وولادتها وكل ما حدث لها يمثل الصدمة العنيفة التي هزت كل كيانها ، ولذلك فإن الكلام عن تصديقه بعيسى ـ كلمة الله ـ ليست له أية مناسبة واقعية في وجدان زكريا ، ولهذا لم يثر ذلك أيّ سؤال في نفسه عن طبيعة الشخص الذي يصدقه ولده بصفة أنه كلمة الله ، ولهذا ، فإننا نستقرب أن المقصود من (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) ، الكلمة الإلهية الرسالية المتمثلة بكتاب الله وهو التوراة أو نحوها ، وقد درج التعبير في القرآن بكلمة الله بمعنى وحيه أو رسالته كما في قوله تعالى : (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا) [التوبة : ٤٠] ، وعن كتبه ورسالته بكلمات الله كما في قوله تعالى : (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) [الشورى : ٢٤] ، وفي قوله تعالى في حديثه عن مريم : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها) [التحريم : ١٢]. فلا مانع من أن يكون المراد بتصديق يحيى بكلمة من الله ، الوحي النازل من الله على رسله بكلمته لعباده ، لأنه دليل على اختصاص اللفظ بعيسى عليهالسلام ، باعتبار أن إطلاق الكلمة عليها جاء من خلال المعنى العام لخصوصية ذاتية ، بلحاظ أنه خلق بكلمة الله المتمثلة بإرادة التكوين من خلال كلمة «كن» المستعملة في القرآن تعبيرا عن ذلك كما في قوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ
__________________
(١) انظر : مجمع البيان ، ج : ١ ، ص : ٥٦١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
