فنحن نجد النبي إبراهيم عليهالسلام يخضع لعنصر المفاجأة الغريبة في طبيعة مضمونها الذاتي بطريقة عفوية من خلال الضعف البشري العادي ، ليعود ـ في يقظة الوعي الشعوري ـ إلى الانفتاح على القدرة الإلهية التي تجعل الأمل حيّا حتى في المورد الذي يكون الشيء فيه مستحيلا عاديا ، فلا يستسلم لأي يأس ، لأن الذين يخضعون للقنوط هم الضالون لا المهتدون ، فإنهم يقفون مع الله في ما يقوله ويفعله في شؤون عباده ، من دون أن يكون في ذلك أية منافاة للعصمة وللدرجة العالية في نبوّته.
الأمر الثالث : جاء في مجمع البيان أنه ذهب جميع المفسرين وأهل التأويل أن المراد بقوله تعالى : (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) أنه مؤمن بعيسى ومصدق له ، فقد أراده الله أن يكون المؤيد لعيسى عليهالسلام ، باعتبار معرفة الناس له وتصديقهم به ، وقد جاء التعبير عن عيسى بأنه كلمة الله ، مما يجعل هذا اللفظ بمثابة الاسم المختص به كما في الآية الآتية في قوله تعالى : (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [آل عمران : ٤٥] ؛ وقوله تعالى في سورة النساء : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ) [النساء : ١٧١].
ولكن أبا عبيدة ـ على ما حكي عنه ـ قال : معناه بكتاب الله ، كما يقولون : أنشدت كلمة فلان أي قصيدته وإن طالت ، وإنما سمّي المسيح كلمة الله لأنه حصل بكلام الله من غير أب ، وقيل : إنما سمّي به لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله.
ويذكر صاحب مجمع البيان ـ تأييدا للقول المشهور ـ أن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر وكلّف التصديق به ، فكان أوّل من صدّقه وشهد أنه كلمة الله وروحه ، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى عليهالسلام وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
