إننا نلاحظ على هذا ، أن هناك فرقا بين تجربة إبراهيم وموقف زكريا ، فقد كان إبراهيم يريد أن يستزيد في ثقافته الإيمانية التي حصل عليها من خلال تأملاته الفكرية بالحصول على مضمونها الحي من خلال الحسّ ، وهكذا كانت القضية لديه قضية ثقافية ليس فيها أيّ مظهر للصدمة التي تطلق السؤال في أسلوب الاستغراب ، كما فعل زكريا الذي كان يطرح الموانع الحسية التي تدفعه إلى استبعاد القضية ، ولم يكن في أجواء التساؤل الثقافي الهادىء الذي يريد أن يضيف إلى عمله عنصرا جديدا يزيد في الطمأنينة الإيمانية.
ولا ينافي هذا عصمة الإيمان لدى الأنبياء. والظاهر أن زكريا فهم بحسب المضمون القرآني ، أنّ العصمة تضاد الانحراف الفكري والعملي ولا تنافي الحالات المرتبطة بالتركيب النفسي العصبي الذي يهتز للمفاجاة بفعل الصدمة غير المنتظرة ، ولكنه يرجع إلى القاعدة الإيمانية من خلال الألطاف الإلهية التي تحيط به.
ولعل التجربة الإبراهيمية التي تمثلت في البشارة التي حملها الملائكة إليه بالغلام الحليم ، حيث كان ردّ فعله الأولي رد فعل زكريا نفسه كما حدثنا الله عن ذلك في القرآن الكريم في سورة الحجر في قوله تعالى : (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر : ٥١ ـ ٥٦].
وجاء في سورة الذاريات قوله تعالى : (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) [الذاريات : ٢٨ ـ ٣٠].
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
