وربما كان من مظاهر الضعف البشري الذي لا ينافي العصمة ، هو هذه الصدمة ـ المفاجأة التي هزّت أعماقه بالبشارة بالولد وقد بلغا هو وامرأته ما بلغا من الكبر وهو ما لا يتناسب مع واقعية إنجاب الولد ، فقد انطلقت بطريقة عفوية كأية حالة إنسانية في الظروف المماثلة ، في الوقت الذي كان يعيش الثقة بالله من خلال إيمانه عند ما دعاه أن يرزقه وليّا يرثه ويرث من آل يعقوب ، لكنها الحالات الإنسانية اللاشعورية تماما كما هي التقلّصات الجسدية التي تحدث للإنسان عند حصول أية حالة من الخوف أو الضعف أو الرغبة أو الرهبة من دون اختيار له ، ثم ينطلق الوعي الفكري أو الروحي أو الشعوري لينظّم حركة هذا الشعور ، وليعالج الصدمة ، ويستكين للإيمان الواعي الذي يفلسف الأمور ليرجعها إلى أسبابها وطبيعتها في قدرة الله في الأشياء التي تملك في ذاتها قابلية حركة القدرة فيها.
ولعل هذا هو تفسير العجب الذي استولى على زكريا مع إيمانه العميق بالقدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء ، والذي كان وراء الدعاء الخاشع الصادر منه لله.
وليس من الضروري أن ندخل في تفسير القضية بأنه يريد أن يعيش حالة الشهود والمشاهدة ، لأن الإيمان يمثل حالة في الفكر ، فلا يملك العمق الشعوري الذي ينزل إلى أغوار الذات فيهزّها في لهفة الوعي الحسيّ ، بينما يمثل الشهود حالة الطمأنينة الروحية والسكنية الشعورية التي لا يعرض عليها القلق مهما كان ضعيفا ، وهذا ما لاحظناه ، كما يقول أصحاب هذا التفسير ، في تجربة إبراهيم عليهالسلام الذي لم يكتف بإيمانه بالمعاد من ناحية فكرية ، فأراد أن يشاهد مظهر الخلق ليحصل على المستوى الأعلى للإيمان في الطمأنينة القلبية. وهذه حالة طبيعية لكل إنسان أن يعيش في فكره التساؤل عن تفسير المعجزة الخارقة بالطريقة الحسية.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
