حتى بعد تحوّله إلى تراب ، باعتبار أن التراب يختزن في داخله العناصر الذاتية فيه ، ولكن ذلك قد لا يكون له واقع في الجانب العرضي الآتي ، وهو الحركة الطارئة التي هي عبارة عن معنى العمل الصادر من الإنسان فإنها ـ تماما ـ كمثل النفس الذي يتنفسه ، والإحساس الذي يحسّه ، ونحو ذلك مما يذهب بذهاب وقته من دون أن يبقى منه شيء إلا الذكرى ، لأنه ليس متجذرا في الجسد ، بل هو مظهر من مظاهر حركته الإرادية.
إننا لا ندعي استحالة ذلك من خلال إرادة الله في خلقه مما يمكن أن يخلقه في الإنسان في الدنيا والآخرة خلقا جديدا ، ولكن الحديث عن بقاء «المادة / الطاقة» لا يقتضي ذلك حتى بلحاظ ما ذكره استشهادا بقوانين الفيزياء التي تقول «إن المادة تتحول إلى طاقة» ، وذلك لأن «المادة» و «الطاقة» مظهران لحقيقة واحدة ، كما تقول أحدث النظريات بهذا الخصوص ، وأن المادة طاقة متراكمة مكثفة ، تتحول إلى طاقة في ظروف معينة. وقد تكون الطاقة الكامنة في غرام واحد من المادة ، تعادل في قوة انفجارها أكثر من ثلاثين ألف طن من الديناميت. فإنّ هذا قد يصدق في المادة ـ الذات ، لا المادة ـ العرض الذي لا وجود له في الواقع ، بل هو أثر الطاقة الموجودة في المادة بشكل طارئ من خلال اقتضاء الحركة الإرادية ذلك ، وليس هو المادة ـ الطاقة نفسها.
إننا نتصور أن الفكرة انطلقت في بعدها القرآني من الاستغراق في حرفية النص بعيدا عن الأسلوب البلاغي الذي يتميز به القرآن في عملية التخييل الذهني الذي يوحي بالمعنى كما لو كان في عالم الحس ، ليزيده عمقا في الفكر ، وليتمثله الإنسان في صعيد النتائج الحاسمة كما لو كان ماثلا أمامه ؛ والله العالم بحقائق آياته.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
