نستوحي ذلك من قولهم ـ في ما حكاه الله عن حديثهم معه ـ (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) [التحريم: ٨] ، فكأنهم يستزيدون ثواب العمل بزيادة النور الذي هو مظهر ذلك ، ولو كانت المسألة مسألة صورة العمل ، لكان هذا النقصان طبيعيا ناشئا من الواقع المادي للعمل الذي يستتبع صورته العادية بشكل طبيعي.
وخلاصة الكلام ، أن فكرة تجسيد العمل لا تتناسب مع طريقة التعبير البلاغي للأسلوب القرآني ، كما أنها من الأفكار التي لا دليل عليها من الواقع الإنساني على هدى الحديث عن «صورة دنيوية للعمل ، هي التي نراها ، وصورة أخروية كامنة في باطن ذلك العمل. وفي يوم القيامة ، وبعد أن تكون قد طرأت عليه تحوّلات كثيرة ، يفقد صورته الدنيوية ، ويظهر بصورته الأخروية ، فيبعث على راحة فاعله وسكينته ، أو شقائه وعذابه» (١).
إنّ مثل هذا الكلام ، لو كان صحيحا على مستوى كونه أمرا ذاتيا للعمل بحيث تكون له صورة داخلية كامنة في ذاته ، لكان له ظهور في واقعه الحركي الذي تتمثل فيه صورة أعماله في ذاتياتها الطبيعية ، بحيث يحسها الإنسان في وجوده ، ولكننا لا نرى لذلك أثرا عنده إلا بلحاظ نتائجه السلبية أو الإيجابية في الحاضر والمستقبل ، أو بلحاظ ذكرياته الذهنية ، ليعيش إيحاءاته في الصورة التي يتذكرها من خلال الإحساس بآثاره. ومن الطريف أن القائل بهذا القول يرى ـ بناء على ذلك ـ «أن أعمال الإنسان ـ وهي مظاهر مختلفة من الطاقة ـ لا تفنى بموجب قانون بقاء «المادة / الطاقة» وتبقى أبدا في هذه الدنيا ، على الرغم من أن الناظر السطحي يظنها قد تلاشت».
إن هذا النوع من الاستنتاج يقترب من الخيال الذهني ، لأن قصة «بقاء المادة / الطاقة» قد تكون في جانبها الجوهري الحسي الذي يختزن الطاقة
__________________
(١) تفسير الأمثل ، ج : ٢ ، ص : ٣٤٠.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
