النتائج الخيّرة ، لأن العمل يختزن في داخله آثاره التي إذا شاهدها على صعيد الواقع فكأنه شاهد العمل نفسه. وليس المراد رؤية صورة العمل التي يتجسد فيها في النهاية بطريقة حسيّة ، ولعلّ هذا التعبير وارد على نحو الجزاء في الدنيا ، مع أنه لا معنى للتجسد في الدنيا ولا واقع له ، ولا التزام به من قبل أحد ، فقد يمكن لنا أن نطلق آيتي الزلزلة على واقع الأعمال في نتائجها على صعيد الواقع الدنيوي كما نطلقها على صعيد الواقع الأخروي.
وهكذا نفهم أنّ حضور العمل وتحضيره وارد بأسلوب الكناية ، للإيحاء بعدم نسيانه وعدم الغفلة عنه بمرور الزمن ، بل يجده الإنسان حاضرا أمامه في عملية الإحصاء الدقيقة التي يتضمنها الكتاب ، وربما نستفيد هذا المعنى في قوله تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف : ٤٩] ، فإن الظاهر أن المراد حضوره في الوعي من خلال تذكره ، وفي الحساب عند ما يقف المرء ليحاسب عليه.
وهكذا نلاحظ الاتجاه الاستعمالي نفسه في الحديث عن حرث الآخرة في الدنيا ، فإن المقصود به حصاد النتائج المترتبة على الأعمال الخيّرة على هدى القول المأثور : «إنما يحصد ابن آدم ما يزرع» (١) والمثل المشهور : «من يزرع الريح يحصد العاصفة». وأمّا النور الذي يتمثل في وجوه المؤمنين والمؤمنات ، فقد يكون ثوابا على أعمالهم ، باعتبار أن الله يمنحهم إشراق الوجه والطريق من خلال ما قدموه من عمل ، كما يمنحهم النعيم في الجنة ، بل هو نوع من ألوان النعيم الجمالي التي يتحسس الإنسان لذتها الروحية والمادية في إحساسه بذاته كما يتحسس الجميل في الدنيا لذة جماله ، وليس من الضروري أن يكون ذلك صورة العمل المتجسدة في الواقع. ولعلنا
__________________
(١) البحار ، م : ٢٦ ، ج : ٧٢ ، ص : ٤٦٨ ، باب : ٧٩ ، رواية : ٥٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
