هل في الآية دلالة على تجسيد الأعمال؟
حاول بعض المفسرين أن يجد في هذه الآية وأمثالها من الآيات دليلا على نظرية تجسّد الأعمال وحضورها في صورة معينة حسيّة في يوم القيامة ، بحيث يواجه الإنسان واقع عمله الصالح في الدنيا صورة جميلة مشرقة أو نورا يضيء له ذاته ، كما يضيء له الطريق أمامه ، بينما يواجه في عمله السيّئ ، صورة قبيحة منفّرة أو ظلمة تظهر على وجهه وتحيط به من كل جوانبه ، فلا يرى أمامه أية علامة على الطريق.
وقد ارتكز في ذلك على أن الآية ظاهرة في أن الإنسان يجد عمله الحسن أو القبيح يوم القيامة ماثلا بطريقة حسية ، فإذا حدّق بعمله السيّئ ورأى صورته المشوّهة التي تبعث على النفور وتدعو إلى التقزّر ، تمنّى لو أنّ الزمن كله يكون فاصلا بينه وبينه ، ويلاحظ أنه لم يتمنّ زواله وغيابه ، لأنه لا مجال لذلك باعتبار وجوده الحسّي الماثل أمامه.
وتلتقي هذه الآية ـ في هذه الدلالة ـ بقوله تعالى : (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف : ٤٩] ، وقوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة : ٧ ـ ٨].
فإن هذه الآيات تنسب الحضور للعمل نفسه ، كما تدل على أن فاعل الخير أو الشر يرى عمله الخيّر أو الشرير ماثلا أمامه بنفسه.
فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) [الشورى : ٢٠] فإننا نستوحي منها أن الإنسان ـ في عمله ـ ينثر البذر في الأرض فينمو ويتكاثر كأية حبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة ، فيكون حصاده في الآخرة مضاعفا من خلال حرثه في الدنيا ، وكما يجد الإنسان الحب الكثير من خلال زراعة الحبة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
