بما يريده المستكبرون ، مع الرفض لهم في العمق الخفي من شخصيتهم ، حفاظا على وجودهم وعلى حريتهم في الحركة في الجوانب الأخرى ، وليتعرفوا المواقع التي يملكون فيها التخفف من الضغوط والابتعاد عن مجال التعسف ، واكتشاف الثغرات التي تتيح لهم مجال الهرب ، ليعيشوا التزاماتهم ، ويهربوا من التزامات المستكبرين ، فإن الله لا يريد أن يجعل الناس المستضعفين في حرج من أمرهم ولا يفرض عليهم أن يتحملوا عناء الضغوط التي لا يتحملونها جسديا أو معنويا ، فإنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر.
وفي ضوء هذا ، نعرف أن التقية ليست سقوطا تحت تأثير المستكبرين والتزاما بأوضاعهم وانسجاما مع انحرافاتهم ، بحيث ينتقلون من الهدى إلى الضلال ، بل هي عملية ظاهرية شكلية مرحلية تنطلق من المرونة العملية في مواجهة التحديات الكبرى التي تطبق على الإنسان الضعيف بحيث تتحدى وجوده أو ما يمثل المصادرة لحريته الإنسانية في وجوده ، ويبقى يعيش في نفسه الرفض للظلم وأهله ، وللكفر ودعاته ، وللاستكبار وقادته ، رفضا يثير في نفسه المواجهة النفسية العقلية التي تكبر في عقله لتعود حيّة فاعلة في حركته عند ما تتبدل الظروف وتتغير المواقف والمواقع.
إنها الأسلوب الواقعي العملي في حماية الموقف الكبير على مستوى الهدف على حساب الموقف الصغير في حركة الوسيلة ، وهذا أسلوب إنساني عقلائي يرخص للإنسان الوقوع في المفسدة المهمّة إذا عارضتها المصلحة الأهم ، على قاعدة التزاحم التي تقرر تقديم الأهم في الحسابات العملية وإسقاط المهم وتجميده في مرحلة معينة.
وفي هذا الجو ، نعرف أن التقية تتحرك حيث يشتد الضغط ليصل إلى المستوى الأعلى ، وتكبر المصلحة في موقع الأهمية ، وتتجمد حيث تكون
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
