الأمور في مستوى عاديّ لا يمثل أيّة مشكلة كبيرة أو أيّة أهميّة عظمي ، من دون فرق بين أن تكون التقيّة في العقيدة أو الشريعة أو في الموقف السياسي أو الاجتماعي أو نحو ذلك.
لكن الرخصة في التقية لا تعني فقدان الموقف الواضح الصريح المتحدي المنفتح على التضحية ، للشرعية ، فإن الله قد رخص للناس أن يأخذوا بها ، كما جعل لهم الحرية في الأخذ بموقف القوة والتحدي في مواجهة الأعداء ووعدهم الثواب الكبير على ذلك ، لدلالته على مدى الإخلاص لله ورسوله ولدينه في الالتزام بالقضايا الكبرى.
وقد تمثّل التقيّة الموقف المتنوع ، فقد مارسها عمار بن ياسر حين نطق بكلمة الكفر ، فأنزل الله فيه (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [النحل : ١٠٦] ، وفي موقف أبويه ياسر وسمية اللذين استشهدا تحت التعذيب وصبرا فكان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يمر عليهما ويقول : صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة. وهكذا نجد أن الإسلام يستجيب لرغبة الإنسان المسلم بالشهادة كما يستجيب لرغبته بالحياة.
ولا بد للإنسان المستضعف في هذا المجال من أن يدرس ـ دائما ـ في موقفه العملي بين الأخذ بالرخصة أو الاندفاع في التحدي ، مصلحة الأمة أو المجتمع أو الدين ، لأن التحدي قد يؤدي إلى مشاكل كبيرة وسلبيات كثيرة على المصلحة العليا ، وربما كانت التقية سببا في ذلك عند ما توحي بالسقوط الكبير للموقف الرسالي ، وللأمة في مرحلتها الحساسة ، ليراعي ذلك بشكل واع ، لأن التقية تمثل الموضوع المتحرك في ساحة المصالح والمفاسد ، ولا تمثل الموضوع الثابت الذي يخضع لحكم واحد وخط واحد ، بل إنه يتغير بتغير الظروف والأوضاع ومستوى تأثيره على المصلحة العليا في القضايا الكبرى سلبا أو إيجابا ، فإذا كان الإقدام على التحدي يؤدّي إلى إبادة للأمة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
