الأسباب الموجودة منتجة للخير ، وقد تكون شرّا عند ما تلتقي بأسباب الشر ، وليست واردة في مجال الحديث عن اعتبار الواقع صورة للإرادة الإلهية التشريعية التي تعبّر عن شرعية الواقع من حيث كونه مظهرا لرضا الله ، فقد أطلق الله للناس أن يأخذوا بالعدل ، وأن يكونوا مع العادلين ، وأن يكونوا مع الساعين نحو إقامة العدل وإسقاط الظلم في الأرض ، وجعل المسألة تابعة لاختيارهم في حركة المسؤولية ، لأن حكمته اقتضت أن يمارس الإنسان القضايا باختياره وإرادته (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة : ٧ ـ ٨] ، وهذا هو ميزان الشرعية في تقويم الواقع.
ولكن الناس تركوا هذا الخط الإلهي ، واندفعوا نحو الاختيار السيئ الذي يتناسب مع أطماعهم وشهواتهم ، فخذلوا الحق ، ونصروا الباطل ، وأخذوا بالأسباب الواقعية التي جعلها الله بين أيديهم ـ في ساحة الواقع ـ ، فاستعملوها للشر بدلا من الخير ، فكانت النتائج أن الظالمين وصلوا إلى الملك من خلال الوسائل الإلهية التكوينية للنجاح ، بقطع النظر عن المضمون ، فكان أن حصلوا على الملك من إيتاء الله لهم من خلال الأسباب الطبيعية ، لأن الله أجرى الأمور في الكون على أساس حصول المسبب عند إيجاد السبب ، ولكنه لا يمثل إرادة الله في المعنى الشرعي الذي يحبه ويرضاه ، بل هو مناف لها ومنحرف عنها ، ولا يعني هذا عجزا في الخالق وقدرة لدى المخلوق ، ولكنه القانون الطبيعي الذي صنعه الله للوجود ، وجعل للإنسان أن يوجّهه للخير باختياره ، فوجّهه للشر بسوء اختياره عصيانا وانحرافا ، وسيجزيه الله العقاب على ذلك كله.
وقد روى السيد ابن طاوس ، كما في تفسير الميزان ـ أن السيدة زينب بنت علي عليهالسلام ردّت على يزيد منطقه ، فقالت في خطابها له : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
