بحساب. وقيل : معناه بغير مخافة نقصان لما عنده ، فإنه لا نهاية لمقدوراته ، فما يؤخذ منها لا ينقصها ولا هو على حساب جزء من كذا كما يعطي الواحد منا العشرة من المائة والمائة من الألف» (١). وقيل ـ كما اختاره صاحب تفسير الميزان ـ إن توصيف الرزق بكونه بغير حساب ، إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق ، لكون ما عندهم من استدعاء وطلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا ، فلا يقابل عطيته منهم شيء ، فلا حساب لرزقه تعالى. وأما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدّر ، فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر : ٤٩] ، وقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق : ٢ ـ ٣] ، فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض ، لكنه مقدر على ما يريده تعالى» (٢).
ولعل الأقرب إلى جوّ الآية أن تكون الكلمة كناية عن عدم محدودية رزقه من حيث عدم محدودية ملكه ، فإنه يعطي كل موجود حاجاته مهما كثرت واتسعت ، فكلما تطورت حاجاته ازداد رزقه ، فلا حاجة به إلى الحساب ، لأنه شأن المحدود الذي قد تختل موارده باتساع الأمور والحاجات في عطائه ، أمّا الله ـ سبحانه ـ فهو المطلق في ذاته والمطلق في غناه ، فلا ينفد ما عنده بالإنفاق والعطاء ، لأنه لا حدّ له في ملكه.
وفي ضوء ذلك ، قد تكون إيحاءات هذه الفقرة أن على العباد أن يلجأوا إلى الله في حاجاتهم ، فلا يتحرجوا من طلب أيّ شيء مهما ازدادت حاجاتهم ، لأن عطاءه لا حدّ له ولا حساب ، وربما يلتقي هذا المعنى
__________________
(١) مجمع البيان ، ج : ١ ، ص : ٥٥٠.
(٢) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ١٦٣ ـ ١٦٤.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
