الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) إن عملية إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ، تشير إلى نقصان كل منهما لحساب زيادة الآخر ، وبالعكس ، حسب اختلاف الفصول ، فكأنّ أحدهما داخل في الآخر باعتبار أنه أخذ المساحة التي كان يحتلها هذا الآخر ، وهو من دلائل قدرته المطلقة التي تتصرف في خط الزمن من دون اختلال في التوازن ، بل هو التغيير الخاضع لنظام الكون القائم على أساس الحكمة والتدبير. وأمّا إخراج الحي من الميت ، فإنه يتمثل في الوضع الطبيعي في إخراج الأحياء من النبات والحيوان من الأرض الميتة العديمة الشعور. وقد ورد في هذه الآية تفسير آخر ، بأن يكون المراد من الميت الكافر والحي المؤمن ، باعتبار أن الله تعالى سمّى الإيمان حياة ونورا والكفر ظلمة ، كما قال تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) [الأنعام : ١٢٢] ، ولكن الظاهر أن التفسير وارد مورد الاستيحاء لا مورد بيان المعنى من اللفظ ، فإن سياق الآية وارد في ما هو من مظهر القدرة من خلال ما يشتمل عليه من عجائب الخلق مما يناسب أن يكون متعرضا للظاهرة في حركتها الكونية.
(وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) فالله هو مصدر الرزق للناس وللموجودات كلها ، فهو الذي يعطيها حاجاتها التي يتوقف عليها وجودها وامتدادها ، من خلال ما أودعه في الأرض من أنواع العناصر الساكنة والمتحركة ، التي تهيّئ الفرص لإنتاج الحاجات وتوفير الشروط اللازمة لذلك ، من غير فرق بين الإنسان المؤمن والكافر ، بل إن ذلك يمتد إلى كل الموجودات التي تكفّل الله برزقها ـ في حاجاتها الوجودية ـ منذ خلقها.
وهذه هي سنته الكونية التي أودعها في الكون ليكون منتجا لكل الحاجات الوجودية من موقع المعنى الوجودي التكويني الذي تتحرك
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
