٢ ـ أن موقف هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، في امتناعهم عن الخضوع إلى حكم الكتاب ، يشبه كثيرا موقف بعض المسلمين في رفضهم للتحاكم على أساس حكم القرآن ، لأنه لا يتفق مع مصالحهم الخاصة ، ويتعلّلون لذلك بالمزيد من الأسباب الواهية التي لا تثبت أمام النقد. وقد نجد بعض النماذج التي ترفض الخط الذي يعمل من أجل الدعوة إلى أن تحكم الحياة شريعة الله ، فيثيرون أمامه المشاكل والعقبات التي تعطل فاعليته وتشل حركته ، لأن ذلك قد يحرمهم بعض الامتيازات ، أو يدفعهم لبعض التضحيات ، أو يسبّب لهم بعض المتاعب الذاتية. وقد يفكر مثل هؤلاء بأن المسلمين لا يخلدون في النار من جهة بعض الأحاديث الواردة في هذا المجال ، وبذلك يعطون لأنفسهم الحرية في ممارسة المعاصي التي سوف لا تكلفهم خسارة الجنة في نهاية المطاف. إن الله يتحدث مع هؤلاء المسلمين ، كما تحدث مع اليهود ، لأن منطقهم واحد ، والردّ عليه هو نفسه ؛ والله العالم.
٣ ـ إذا صحت الروايتان اللتان تقدّمتا في «أسباب النزول» ، كانتا دليلا على أن الله ينزل آياته في المفاصل التاريخية التي تمثل الخلل الذي يصيب المجتمع اليهودي في انحرافه عن التوراة التي هي كتاب الله في عقيدتهم ، فلا يلتزمون أحكامها إذا كانت المطالبة بذلك من قبل غيرهم ، فإذا ألزمهم ببعض ما فيها من الشرائع التي تفرض عليهم الحكم القاسي الذي لا يريدونه لأشرافهم الذين يملكون بعض الامتيازات الاجتماعية التي تنأى بهم عن الخضوع للقانون الإلهي في التوراة ، وقفوا في حالة الإحراج الديني لإخفاء الآيات التي تتحدث عن ذلك.
ونجد في الرواية الأولى ، أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يزور مدراس اليهود ليدخل في حوار معهم ، باعتبار أنها مركز الفكر اليهودي الذي يفرض على
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
