القيام بالعدل ، في موقع انطلاقة الشهادة ، يوحي بأن علاقة الله بالكون في وجوده الحي والجامد ، ليست علاقة سيطرة في معنى الذات كما هي علاقة المخلوق القوي بالمخلوق الضعيف ، بل هي علاقة العدالة المرتبطة بالخالقية من موقع الرحمة ، مما جعل عدالته مظهر رحمته ، كما هي ـ في العمق ـ مظهر قوته وغناه.
* * *
الحياة كلها لله
(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فهذه هي الحقيقة التي لا بد للإنسان من أن يؤكدها في نفسه لتملأ عقيدته كل وجوده ، تماما كما تؤكد نفسها في كل موقع من مواقع الكون (الْعَزِيزُ) الذي لا ينتقص أحد من قدرته وقوته (الْحَكِيمُ) الذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويعطي لكل واحد منها موقعها ودورها في حركة النظام الكوني كله. (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) ويتمثل في الإسلام لله في كل شيء ، بحيث يفتح الإنسان قلبه لله ، ليواجه الأشياء من هذا المنطلق ، الذي يدعوه إلى أن يجعل حياته كلها لله في ما يأمره به أو ينهاه عنه أو يقوده إليه من أهداف كبيرة في الحياة ، وبذلك لا بد له من أن ينفتح على كل الرسالات ويصدّق كل رسالة ، فلا يخضع لعصبية عمياء تحجب عنه إشراقة الحق فتؤدي به إلى العناد والاستكبار والبعد عن الطريق المستقيم ، فينكر الحقائق الواضحة التي لا سبيل إلى إنكارها ، ويتنكر للبيّنات التي لا مجال للشك فيها. وهذا هو الذي يشمل كل ما جاء به الرسل ، فإن كل رسالة تمثل الخط الذي يريد الله للناس أن يسيروا عليه في مرحلتها ، الأمر الذي يجعل الإسلام متمثلا فيها ، لأن السير عليها هو مصداق للاستسلام والخضوع لإرادة الله سبحانه ، أمّا إذا انتهت المرحلة لتبدأ مرحلة جديدة من خلال رسالة جديدة ، فإن الإسلام يتمثل في السير على خط هذه المرحلة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
