ومن خلال كل هذه الأجواء الغيبية التي عاشوها في رحاب الله في وظائفهم الكونية ، وفي مسئولياتهم السماوية ، وفي شمولية التجربة في آفاق السماء والأرض ، في الحدود التي أمكن لهم أن يصلوا إليها ويعرفوها ، أدركوا التوحيد في حقيقته التي لا ترفض أية فكرة للربوبية بعيدا عن الله ، فهم يعرفون حجم المخلوقات في دائرة تجربتهم ، ويعرفون عظمة الله في كل مظاهر خلقه ومواقع قدرته ، فلا يرون له مثيلا ولا شريكا ، فيشهدون من عمق الإيمان في وعيهم للحقيقة التوحيدية أنه لا إله إلا هو.
(وَأُولُوا الْعِلْمِ) هؤلاء الذين انفتحوا بعقولهم وتجاربهم على الوجود في تفاصيله وفي عناصره وفي مواقع العظمة فيه وأسرار الإبداع في حركته ، وتطلعوا ـ في عملية مقارنة وتأمّل وتفكير ـ إلى كل مواقع القدرة في الكون مما تتحرك به المخلوقات الكبيرة العظيمة هنا وهناك ، فرأوا أنها لا تملك شيئا من معنى العظمة وسرّ القدرة إلا بالله ، فآمنوا أنه لا إله إلا هو ، ولعلّ من الواضح أن المراد بالعلماء هنا كل الذين يملكون العلم الذي ينفتح على توحيد الله من خلال الانفتاح على أسرار عظمته وحكمته وقدرته ، ولا خصوصية لأحد في ذلك من حيث المبدأ ، ولكن هناك ما يتميز به عالم عن عالم في درجة المعرفة ، الأمر الذي يجعلهم في وعي للتوحيد بطريقة أعمق وأفق أرحب.
(قائِماً بِالْقِسْطِ) حال من فاعل قوله : (شَهِدَ اللهُ) فقد شهد الله توحيد ذاته من خلال قيامه بالعدل الذي لا ينفصل عنه ، لأن عدالته جزء من معنى الألوهية ، ومظهر لغناه عن عباده ، فلا يظلمهم ، لأن الظلم دليل فقر وضعف ، وهكذا كان قيامه بالقسط في النظام الكوني بكل وجوداته ، لأنه أعطى كل موجود حقه بما منحه إياه من حاجته ، فكان الوجود كله في وعيه الذاتي الوجودي لربه مظهرا حيّا للشهادة الكونية بتوحيده ، ولعل التركيز على
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
