الشاهد في ذاته من خلال حضور الذات في الذات ، وهو الخالق للكون كله ، والمطلع عليه في علمه بالنفي المطلق للشرك ، ولا يملك النفي المطلق غيره ، فإن المحدود لا يمكن أن يدرك إلا الواقع المحدود ، فلا يجد سبيلا إلى الحقيقة في دائرة النفي إلا من خلال العقل ، لأنه لا يملك الحس الذي يشمل الوجود كله ، ليعرف ـ من خلاله ـ أين يكون النفي حقيقة ، وأين يقع الإثبات في موقعه التوحيدي ، وهو الذي تنطلق شهادته في دائرة غناه الذاتي ، فلا يحتاج إلى أن يعرفه أحد من خلقه ، لتكون الشهادة وسيلة من وسائله الحيّة في الوصول ، ذلك ؛ لأن معرفة خلقه له حاجة حيوية للاحساس بمعنى وجودهم ، والانفتاح على مصدر القوة الذي هو مصدر الوجود في حياتهم.
وتلك هي الشهادة التي تمنح الحقيقة لكل مخلوق حيّ ، فيحس بها في ذاتياته ، حتى لتتحول في داخله إلى ما يشبه إحساس الذات بالذات في معنى الفطرة ، وقد تحدّث البعض عن النزاع في أن الشهادة هي بالقول أو بالفعل ، ونحن لا نرى في هذا الحديث فائدة يتحرك النفي أو الإثبات نحوها ، لأن الله أعطى الكلمة في الشهادة بتوحيده من خلال وحيه ، كما أعطى الواقع الشهادة الحسية المتجسدة في الكون كله الناطقة في مضمون وجودها بأنه الله الذي لا إله إلا هو في معنى الفطرة الوجودية للكون كله ، ولن تحتاج الكلمة إلى دليل في صدورها عنه ، لأن معناها في داخل ذاتها ، من حيث إن التوحيد هو حقيقة الوجود ، فهو الذي يشهد للكلمة على صدقها ، وليست هي التي تؤكد صدقه في معنى الحقيقة في ذاته.
(وَالْمَلائِكَةُ) الذين عاشوا الفناء في الله والذوبان في عبادته ، والخضوع لعظمته والخشوع أمام ربوبيته ، فهم (عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: ٢٦ ـ ٢٧] ، (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [الزمر : ٧٥].
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
