التي تحدث عنها الله في ما زيّنه للإنسان ، كما في قوله تعالى : (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام : ١٠٨] فإن الناس مجبولون على أن يرى أيّ واحد منهم العمل الصادر منه عن قناعة حسنا ، لأن ذلك هو لازم قناعته به. ولعل هذا الذي ذكر في الآية من طبيعة الجانب المادي في الإنسان الذي يستدعي الحركة نحو هذه الأمور ، وليس في ذلك أيّ سوء يتنافى مقتضاه مع العدالة ، لأن حبّ هذه الأمور لا يفرض المعصية في ممارستها ، بل يمكن للإنسان أن يمارسها في موقع الطاعة ، كما يمكن أن يمارسها من موقع المعصية ، ولهذا كانت الفكرة المقابلة لها منطلقة من قاعدة إثارة الاهتمام باللذات التي تنتظر الإنسان في الحياة الآخرة ، لئلا يستسلم للذّات الحياة الدنيا استسلاما كليّا ، بحيث يندفع إلى الانحراف عن خط الله في سبيل الحصول عليه ، فالآية ليست واردة في مورد الرفض المطلق لهذه الشهوات ، بل هي واردة في مورد الموازنة بينها وبين شهوات الآخرة الدينية والروحية ، في مجال الحاجة إلى إقامة التفاضل فيما بينها ، والله العالم بحقائق آياته.
وقد أثار صاحب تفسير الميزان عدة ملاحظات للاستدلال على رأيه في أن فاعل «زين» هو «الشيطان» لا «الله» ، فقال : «أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه ، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى» (١).
ونلاحظ على هذا الكلام ، أنه لا ظهور للآية في هذا المعني ، بل هي ـ على الظاهر ـ واردة في مقام المقارنة بين نعيم الحياة الدنيا مما يتصل بالحاجات الحسية للناس ، ونعيم الحياة الأخرى والتأكيد على ما تتميز به لذّات الآخرة عن لذّات الدنيا والحث على التقوى وطلب ما عند الله
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ١١٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
