التي قد تتبدل وتتغير حسب تغير الأوضاع والأزمان ، ولكن الحالة تبقى على ما هي عليه ، فالإنسان الآن هو الإنسان قبل آلاف السنين في حبّه لشهوات الدنيا ، وإن اختلفت أنواع الشهوات وأشكالها ووسائلها وطريقة ممارستها ، فلا يزال الناس يعيشون الحاجة إلى أمثال هذه الأمور ، من موقع الحاجة عند بعض ، ومن موقع القيمة الكبيرة عند بعض آخر.
أما النظرة الإسلامية إلى ذلك ، فهي التي تعبر عنها هذه الآية وما بعدها ، فإن هذه الأمور لا تمثل القيمة الكبيرة التي يجعل منها الإنسان هدفا عظيما لحياته ، بحيث تتحول إلى ما يشبه الرسالة التي يكافح من أجلها ويموت في سبيلها ، بل هي مجرد متاع للحياة الدنيا لا يعني للإنسان إلا كما تعني الحاجة الطبيعية التي يمارسها ممارسة طبيعية لا تزيد عن المقدار العادي الذي يحتاجه من أجل استمرار حياته ، فيجاهد في سبيلها على أساس علاقتها بامتداد الحياة واستقرارها ونموّها الطبيعي ، بعيدا عن كل ما يجعلها هدفا مطلوبا لذاته ، لأن الإنسان سيفارق ذلك كله إن عاجلا أو آجلا ، كما يفارق الحياة نفسها ... فإذا كانت الحياة الدنيا لا تمثل الهدف الأسمى في ذاتها ، فكيف بهذه المتع السريعة التي لا يمثل الإحساس بها إلّا شعور اللحظة العابرة التي تلامس الغرائز ثم تذوب وتغيب وتتحول إلى مجرد ذكرى طيّبة ... أمّا القيمة التي تمثل الرسالة الخالدة الممتدة التي تملأ الحياة الداخلية للإنسان بالفكر والطمأنينة ، والحياة الخارجية له بالعمل والمعاناة والجهاد ، فهي الإيمان بالله وطلب ما عنده ، فإن عنده حسن المآب ، فهناك يجد الإنسان الرضا كل الرضا ، واللذّة كل اللذة ، في ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين ، حيث المشاعر تتصل بالانفعالات الخالدة الرائعة التي لا تتجمد عند نداء اللحظة ، بل تستمر وتمتد ليفيض الإنسان بالسعادة الخالدة التي قد تلتقي مع بعض أشكال الشهوات في الدنيا ولكنها من نوع آخر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
