الوقوف عند الشبهة والتسليم في مقابل الزائغين قلبا ، وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته» (١).
وخلاصة الإشكال ، أن السياق ـ في هذه الآية ـ يتحرك في دائرة الحديث عن الكتاب وانقسام الناس حوله ، ـ كما ذكر ـ ولكن الظاهر أنها ـ في مقام بيان الموقف منه ـ تؤكد أن هناك من لا يؤمن بالكتاب ويحاول إضلال الناس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة من دون أن يملكوا علم ذلك ، لأنهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدس ليتدبروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع من خلال مصادر العلم لديهم ، ومنها وحي الله وإلهامه في تفسير آياته ، فهم لا يجدون أية ضرورة أو أيّ حافز لذلك ، (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فإنهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم بالله وبكتابه ، ولذلك فإنهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم بأن الكتاب من عند الله ، في محكمه ومتشابهه ، فلا تختلف آياته ، ولا تتنافر معانيه ، مما يجعل بعضه يفسر البعض الآخر. ولذلك فإنهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكدوا إيمانهم وإيمان الناس به ، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشك فيه ، ليقولوا آمنا به كلّ من عند ربنا الذي جعل المحكم ، الذي «هو أم الكتاب» ومصدره ومرجعه ، دليلا على المتشابه ، وجعلهما معا نورا وهدى للناس ، فليست مسألة تسليم إيمانيّ مجرّد ، بل هو تسليم عقليّ واع في الإيمان ، ولذلك ضمّ المحكم إلى المتشابه ، مع أن الإيمان ، به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى ، مما يؤكد هذا الوجه ، الذي نرتأيه ويذهب إليه جمهرة من الصحابة كابن عباس وبعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة.
__________________
(١) م. س. ، ج : ٣ ، ص : ٣٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
