وقفة مع صاحب الميزان
وقد وافقهم في هذا الرأي صاحب تفسير الميزان ، الذي يرى أن المعنى ـ في الآية ـ : «أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان : فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه : آمنّا به كلّ من عند ربنا ، وإنما اختلفا لاختلافهم ، من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم» (١).
ولكننا نلاحظ على كلامه ، بالإضافة إلى ما قدمناه في صدر تفسير الآية ، أن الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم الناس من الكتاب إلى جماعة تتبع المتشابه لاستغلاله في غير الحق ، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم عن خط الاستقامة ، وجماعة ثابتة على اتّباع المحكم والإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم ، ويستفاد من الآية ـ كما ذكرنا ذلك ـ أن القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم ، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك.
ولكنه لا يمانع من أن الراسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة ، فإن «العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى ، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه ، كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه ، كما في قوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٦ ـ ٢٧] ، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى «الراسخون في العلم» بعينهم ، إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم ، وهو
__________________
(١) م. س. ، ج : ٣ ، ص : ٣٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
