بحسبه مما يمتلك الآخذون به والمتحدثون عنه معرفته تبعا لما يعلمونه من أصول الأشياء ومصادرها ، فقد يختزن المستقبل بعضها مما لا يملك معرفته إلا الله ، أو ممن عرفهم الله سرّها إلهاما أو وحيا أو من خلال ما عرّفهم من علامات الأحداث وأسبابها وخلفياتها أو مما أمكنهم الاطلاع عليه بوسائلهم الخاصة ، ومنه الثقافة العملية الممتدة في عمق الأمور وخلفيات القضايا وأسرار النفس الإنسانية.
وفي ضوء ذلك ، يكون المقصود من تأويل هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ، هو إرجاع الأمور إلى غير حقيقتها ، وتحويلها عن مصادرها الحقيقية في النفس وفي الواقع ، وتحريف النص عن مساره الطبيعي في الإنسان والحياة.
وبما ذكرناه من تفسير التأويل ، يتضح صحة ما أشرنا إليه سابقا من أن (الواو) في قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) للعطف ـ كما هو الأصل فيها ـ لا للاستئناف كما ذهب إليه جماعة من الصحابة كأبيّ بن كعب وعائشة وابن عمر ، حيث كان رأيهم الوقوف على لفظ الجلالة ، وأما «الراسخون في العلم» فكلام مستأنف ، يقولون : آمنّا به ، لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى ، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض.
وقد جاء في رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ، ولكن نزل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم به فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به» (١) مما قد يوحي بأن المتشابه مما لا يفهمه الناس ، فقد استأثر الله بعلمه.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ٩٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
