توثيق المعاملات المالية
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ). وذلك بأن يراعي العدل في كتابته ، فيكون دقيقا في كل الخصوصيات المتعلقة بالموضوع ، فلا يكتب ما لا أساس له في القضية. وقد عبر بالدّين ولم يعبر بالقرض ، لأن القرض هو أن يأخذ الإنسان من إنسان آخر نقدا معينا أو بضاعة معينة إلى أجل ليدفعه الآخر عند حلول الأجل ، مثلا بمثل ، أما الدّين ، فهو كل تعامل مبني على عوض أو معوّض مؤجّل ، كما في الإجارة أو البيع أو الصلح أو نحوها ، بحيث يكون أحدهما مدينا للآخر. وفي ضوء ذلك ، فإن الآية تشمل القرض كما تشمل كل المعاملات المشتملة على تأجيل أحد العوضين ، وليست الكتابة واردة على سبيل الوجوب ، بل الإرشاد ، على الرغم من ظهور الأمر في الوجوب ، لأن الظاهر من سياق الآية هو ورود المسألة على سبيل الاستيثاق ، ولذلك قال تعالى بعد ذلك : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) ممّا يوحي بأن القضية ناظرة إلى المستقبل الذي قد يتمخض عن بعض الأوضاع والانحرافات التي تؤدي إلى النزاع فيما بينهما ، فأريد توثيق الدّين بحيث لا يستطيع المدين أن ينكره في ما بعد.
(وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ) وفي هذا إيحاء بأن الثقافة مسئولية المثقف في الإسلام لمن يحتاج إليه ، فليس له الامتناع عن تقديمها للآخرين الذين يحتاجون إلى خدماتها في أمورهم ، لأنها ليست شيئا ذاتيا بعيدا عن المسؤولية. وقد يستوحي الإنسان منها ضرورة وجود أشخاص في المجتمع يملكون مثل هذه المعرفة التي تساهم في تنظيم وثائق المجتمع في معاملاته مما يحتاج فيها إلى التوثيق ، ولعل وظيفة «كاتب العدل» الذي يعمل على كتابة العقود المتداولة بين الناس بما فيها الديون مستوحاة من هذه
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
