وفي ضوء ذلك كله ، فإن الاستنتاج الذي أكده الباحث من اختلاف الربا المصرفي عن الربا القرآني ، بحيث يكون الموضوع فيه غير الموضوع في القرآن فلا تشمله الحرمة ، لأن الدائنين في المصارف هم المالكون الصغار ، والمدينون هم المالكون الكبار ، فلا يكون موردا للصدقة كما هو في المورد القرآني ، ولأن المنفعة هنا مشتركة بين الدائن بما يأخذه من الفائدة والمدين بما يستثمره من رأس المال ، بينما تختص بالدائن في الربا القرآني ، ولأن المعاملة المصرفية ليست مجرد تنمية للمال في أموال الناس ، بل هي تجارة من نوع جديد مما يتصل بحاجة الناس ، ولأن الدائن مضطرب الحال في الربا القرآني لعجز المدين ، بينما هو مستريح البال لغناه ولكون المصرف مؤسسة منظمة ترعى المال وتضمنه لصاحبه من دون خوف ، ولأن الزيادة في المصارف تشترط لأغراض تجارية بينما الزيادة في القرآن لا تشترط إلا على رجل محتاج للصدقة.
إننا نرفض هذا الاستنتاج من خلال الإشارة إلى الاختلاف المذكور ، لأنه قائم على الاستفادة الضيقة في الربا القرآني بأنه وارد في مورد المحتاج العاجز عن الوفاء ، وهو غير ظاهر كما ذكرنا ، بل هو وارد في مقام الحديث عن النظام الاقتصادي الذي ينطلق فيه الناس في حياتهم العامة في معاملاتهم بعيدا عن شخصية الدائن والمدين ، وهكذا في قضية اشتراك المنفعة هنا في المصارف واختصاصها بالدائن في الربا القرآني ، فإن الملحوظ هو التركيز على الانتفاع بالربا من دون نظر إلى ما يفعله المدين من استثمار المال في حاجاته وفي مشاريع أخرى.
وهكذا تنطلق المناقشة في الإشارة إلى أن ربا المصارف يمثل تجارة ، فإننا لا نفهم معنى ذلك في طبيعة المعاملة الربوية في مدلولها الموضوعي ، لأن مسألة التجارة خارجة عن المعاملة ويمكن أن تحصل في الربا القرآني عند ما يستثمر المدين رأس المال في أعمال تجارية صغيرة تدرّ عليه الربح.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
