فأقبل عبد الله بن العباس حتى نزل بإزائه ، [فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه ، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم](١) ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني (٢) ، في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا ، وإلّا دخلت وأنت تابع ، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم ، يعجّل [لك] في هذا الوقت النصف ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر ، فانسلّ عبيد الله ليلا ، فدخل عسكر معاوية ، فوفى له بما وعده ، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم ، فلم يخرج حتى أصبحوا ، فطلبوه فلم يجدوه ، فصلّى بهم قيس بن سعد [بن عبادة] ، ثم خطبهم فقال :
أيّها الناس ، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع «أي الجبان» إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط ، إن أباه عمّ رسول الله (ص) ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولّاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال ، وإن هذا ولّاه على اليمن ، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوه ، وصنع الآن هذا الذي صنع.
قال فتنادى الناس : الحمد لله الذي أخرجه من بيننا ، فانهض بنا إلى عدوّنا ، فنهض بهم.
وخرج إليهم بسر بن أرطاة في عشرين ألفا ، فصاحوا بهم : هذا أميركم قد بايع ، وهذا الحسن قد صالح ؛ فعلام تقتلون أنفسكم؟
فقال لهم قيس بن سعد [بن عبادة] : اختاروا إحدى اثنتين : إما القتال مع غير إمام ، أو تبايعون بيعة ضلال ، فقالوا : بل نقاتل بلا إمام ، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافهم.
__________________
(١) الزيادة من الخطية وهي ثابتة في ابن أبي الحديد.
(٢) في ط وق «أرسلني».
