قليلة ، إلا سلعة يرغبون فيها لعدمها أو قلتها عندهم. وإذا جاءتهم سلعة من خارج بلادهم وعندهم مثلها ، فإنهم يتغالون في عشورها (١) حتى لا تدخل ، حرصا منهم على نفاذ سلع بلادهم لتدوم صنائعهم ، وليلا يزهد الصناع في صنائعهم إن كسدت.
وبهذه المدينة ديار عالية البناء مشيدة وأسواق مزينة ، وحوانيت بأنواع السلع وأنفسها مزخرفة. والحوانيت التي على المرسى متصلة بالشاطئ تصل المراكب والفلائك حتى تتصل بحافة المرسى المبنية بالصخر العظيمة ، فلا يبقى بينها وبين الحوانيت إلا الممر. وشوارعها واسعة وللشوارع والطرق وسط وحاشيتان ، فالوسط للأكداش والكراريص والحاشيتين للرجالة. ومما يستقبح فيها ، أن مجاري أخباثها ونجاستها تمر على وجه الأرض في وسط الشوارع لا يخلوا منها طريق ، وذالك في البول لا غير ، وأما الغائط فإنه يباع بالثمن ، فلا يفضل حتى يسيح على وجه الأرض ، فله أهل موكلون به ، يطوفون عليه ببوطات كبار يملئونها منه وييبسونه لتزبيل الأرض والأشجار.
وشوارعها كلها نافذة بعضها لبعض ، فليس فيها زقاق محصور ، وبها ميادين واسعة فيها صفوف من أشجار كبار يتماشى الناس فيها للاستراحة ، وتلك الأشجار تظللهم أيام الحر. ومن أشهر حاراتها موضع يسمى عندهم بورالي (٢) ، به أشجار وخصص ماء ، وبه غالب ديار أكابرهم وأهل الثروة منهم.
وهذه المدينة من جملة إيالات (٣) فرانسا حاكمة على عمالتها. وذلك لأن
__________________
(١) انظر الهامش ٤٣ أعلاه. ويمكن أن تعني أيضا الرسوم المفروضة على الصادرات التي يتم تحصيلها عند خروج السلع من المدينة. وفي ١٨٤٥ سميت الرسوم المؤداة على جميع أنواع السلع الموجهة من فاس إلى الجزائر «عشور فندق النجارين» وهو المكان الذي يتم فيه تحصيل تلك الضرائب. انظر :
E. Michaux ـ Bellaire," Les impo؟ts marocains", AM ١) ٤٠٩١ (: ٥٦.
(٢) ويتعلق الأمر بالقصر الذي يحمل اسم شاتو دو بوريلي (Ch teau de Bore؟ly) ، وقد بناه أحد أثرياء مرسيليا في أواخر القرن الثامن عشر ، في منطقة تمتد في منتزه واسع الأرجاء.
(٣) مفردها إيالة ، وهي من الكلمات العربية التي تحولت إلى مصطلح إداري لدى العثمانيين ، معناها الإقليم. وتم تبني المصطلح نفسه في المغرب على عهد السعديين ، ابن زيدان ، العز ، ١ ، ص. ٣٩٩. وعند نهاية القرن الثامن عشر فككت الأقاليم الفرنسية التي كانت موجودة قبيل الثورة وعوضت بست وثمانين مقاطعة يسميها الفرنسيون دبرتمان :(de؟partements).
