جوانب الطريق ، فلا يخلو منها موضع. فلا تمر في محل من هذه الطريق إلا وأنت ترى البنيان ، إما بلدة أو قرية أو دار أو دور ، إن لم يكن قريبا فبعيد. وكل بستان من بساتينهم فيه دار مبنية عامرة بخادم البستان وأهله.
وكل ما في الطريق من البلدان فإن الطريق تمر في وسطها ، تشقها شقا بين حوانيتها وأسواقها. وفي هذه الطريق داخل عمارة أو خارجها ، الكثير من الصنائع التي يحتاج إليها المسافرون ، كصناع الأكداش والكراريص وسائر إقامتها ، والسمارين الذين يسمرون الدواب بصفائحهم وسائر آلاتهم ، فإذا اختل للمسافر شيء من ذالك وجد إصلاحه قريبا. وفيها كثير من ديار الخمارين الذين يبيعونها في الطريق للمسافرين ، وفيها كثير من بوسطات الخيل التي تكرى لجر الأكداش والكراريص ، كلما افتقر المسافر لشيء منها ألفاه قريبا.
وأما المدن والبلدان التي مررنا عليها في طريقنا هذه ، فأولها مدينة مرسيليا التي نزلناها بعد خروجنا من البحر ، وهي مدينة كبيرة من حواضر بلاد فرانسا. ولا سور لها من جهة البحر ، ومرساها محصنة بأبراج المدافع يمينا وشمالا. لها مدخل ضيق ، وعليها فنارات (١) عظام توقد بالليل للاهتداء. وعلى المرسى قهاوي عديدة في أحسن ما يكون من الزخرفة والتزيين. ومرساها جون داخل لجهة البلد ، بينها وبين جبل صغير مقابل لها ، وشاطئها مبني على نمط ما تقدم في مرسى بوربندر. وبهذه المرسى صناديق مرساة لازمة لموضعها وفيها ثقب كبير ، فمن أراد الدخول لداخل المرسى ، ربط فيها حبال سفينته وجعل يجبذ لتدخل سفينته لعدم الريح بداخل المرسى.
وليست مرسى للقراسيل (٢) والمراكب الحربية ، إنما هي مرسى لمراكب التجارة ، ألفينا بها من مراكب السلع والتجارة ما لا يوجد معها مسلك ، كان بها على ما قيل ما يزيد على ألفي مركب. لأن هذه البلد بلد المتجر ، فيها التجار من سائر الأقاليم ، وفيها جميع ما يوجد ببلاد فرانسا من السلع والصنائع. وسلع غير الفرنسيس فيها
__________________
(١) مفردها فنار ، وأصلها من الإسبانية (fanal) ، وهي المصابيح المستعملة للإنارة. ٢٩٢ : ٢Dozy (المعرب).
(٢) مفردها قرصال وأصلها من الإيطالية (corsale) ، أي لص البحر. وبما أن القرصنة لم تصبح بالكثافة التي كانت معهودة من قبل في حوض البحر الأبيض المتوسط ، فإن اللفظة هنا تعني صنفا من أصناف المراكب الحربية. انظر : Brunot ,La mer ,pp.٧٣٣ ـ ٤٤٣.
