من الإتقان ، فيجعلونها صفوفا متساوية وخطوطا متوازية ، لا ترى واحدة خارجة ولا بارزة عن أختها في الصف. فترى زقاقا طويلا جدا بين صفي الشجر المتوازية ، ليس فيه اعوجاج ، وصف الشجرة من هاهنا وهاهنا كأنه ذات متصلة في غاية الاستقامة. ويجعلونها جداول وخطوطا وعلى أشكال شتى ، وبسبب إتقانها في الغرس والإنزال ، لا يمنع غرسها من عمارة باقي الأرض بالحرث ونحوه. وفي الغالب لا يتركون الفدان أبيض كله ، بل يغرسون أطرافه بالأشجار ، وحيث تكون في الطرف لا تمنع من عمارة الوسط.
ولهم اعتناء تام واهتبال واهتمام بدوالي العنب ، حتى أن بساتين العنب عندهم ربما كانت أكثر من أرض الحرث وذالك لولوعهم بالخمر ، إذ هو من ضروريات عيشهم ، ولو أريقت خمرهم لفاضت منها البحار. وأما الحرث فعندهم منه حظ وافر يكفيهم إن كان صالحا. وفي حوز باريز محاريث جيدة ، وقمح باريز في غاية البياض والصفا.
ومن قوانينهم في الزراعة أن بيلكهم يعطي عطاء معلوما عندهم لمن ظهرت على يده مزية لم يات بها غيره من الفلاحين ، ترغيبا منهم للزارعين في أن يجتهدوا في الحرث والازدراع ، وأن يأتي كل منهم بما يفوق به غيره في الزراعة. ومن قوانينهم أيضا ، أنه إذا جاءهم في برهم ما يكفيهم من الزرع فيمنعون من دخول غيره من خارج بلادهم. حتى إن جاء من جهة أخرى ليطحن في بلادهم ويخرج ، فيكون دخوله وخروجه بالوزن ليلا يبقى منه شيء في بلادهم ، وذالك ليلا تكسد زروع رعيتهم الذين يحرثونها ، فيزهدون في الحرث فيعود عليهم الضرر. وإن كانت الغلة ناقصة ، أباحوا دخوله من الآفاق ، وتسامحوا في عشوره (١) ليكثر جلبه من الآفاق. وأرضهم على الجملة ليست أرض خصب وكلإ كأرض المغرب ، إنما هي أرض صلبة قرعة خشنة ، لولا دوام النبش فيها والتزبيل (٢) والخدمة وعدم وطء المواشي والأرجل
__________________
(١) «العشور» ، والمقصود به عشر الانتاج السنوي المفروض أداؤه من طرف جميع المسلمين تطبيقا للتشريعات السماوية. وفي المغرب ، حيث كانت تقاس المداخيل أساسا بقطعان الماشية أو بالمحاصيل الزراعية ، كان يساوي «العشور» عشر المحصول السنوي من الحبوب. انظر مادة «عشر» في : SEI ,s.v."Ushr "
(٢) المقصود بالتزبيل هنا ، إغناء الأرض وتقوية تربتها بوسائل التخصيب المعتمدة أساسا على روث البهائم وحتى براز الإنسان أو ما شابه ذلك من المواد المخصبة للأرض (المعرب).
