فإن تجربته هذه تستند على منهج المدرسة البابلية أو الإيرانية. ولكن فضله الأكبر يعود إلى أنه قد وضع فى اللحظة المناسبة مصنفا فريدا فى بابه كان له الأثر المباشر فى تعميم الجبر على ممر القرون (٤).
وقد كان للجداول الفلكية للخوارزمى حظ مماثل أيضا فى تأثيرها البعيد المدى ، وهى ترتبط فى جوهرها على ما يبدو بترجمة «السند هند» للفزارى التى شغل الخوارزمى كثيرا بدراستها وعمل منها نسخة مصلّحة. وكشأن أى مصنف يحمل اسم الزيج فإن جداول الخوارزمى قد احتوت على مقدمة فلكية وافية هى بمثابة نظرية فى الفلك قائمة بذاتها (٥). ويقف دليلا على علاقة جداول الخوارزمى بالتراث الهندى الإيرانى أن خط منتصف النهار الابتدائى يبدأ فيها عند الأرين وأن حساب الوقت فيها يسير وفقا لتقويم يزدجرد. هذا وقد أعاد الفلكى الأندلسى مسلمة المجريطى (حوالى عام ٣٩٨ ه ـ ١٠٠٧) صياغه هذه الجداول ولكنه استعمل التقويم الهجرى وجعل نقطة الابتداء خط منتصف النهار المار بقرطبة. ولم تصل إلينا هذه الجداول ، كما لم تصلنا الجداول المصلحة للمجريطى ، ولكن حفظت الترجمة اللاتينية للأخيرة بقلم اديلارد الباثى Adelard of Bath التى عملت عام ١١٢٦. وهذا الوضع يؤدى بلا ريب إلى تعقيد مشكلة العلاقة بين كتاب الخوارزمى وتنقيحه للمجريطى ؛ وعلى أية حال فإنه يمكن القول بالكثير من الثقة إن الجداول الفلكية للخوارزمى فى صورتها الجديدة للمجريطى كانت أساسا للمؤلفات الفلكية المتأخرة فى أوربا الغربية (٦).
ورغما عن الأهمية البالغة لمؤلفات الخوارزمى فإن المعلومات عن شخصه شحيحة للغاية. ونتيجة لسهو معين فى كتاب بروكلمان (٧) فقد نفذت إلى الاستعراب الروسى فكرة مفادها أن الخوارزمى مؤلف الجغرافيا شخص عاش فى القرن الحادى عشر وأنه لا علاقة له بالرياضى الفلكى الذى عاش فى القرن التاسع (٨) ؛ ومرد هذا الخطأ إلى أن تاريخ تدوين المخطوطة قد أخذ على أنه تاريخ تأليف الكتاب. ولا يعرف عن سيرة الخوارزمى بالتحديد سوى أنه كان ينتمى إلى دائرة فلكيى المأمون وأنه كان وثيق الصلة «بدار الحكمة» المشهورة وأخذ طرفا على ما يبدو فى التجارب العلمية المرتبطة فى بعض جوانبها بقياس محيط الأرض. وقد ورد آخر ذكر له مقترنا بوفاة الخليفة الواثق عام ٢٣٢ ه ـ ٨٤٧ (٩) ، ويلوح أنه قد توفى عقب ذلك بقليل. وقليل من الإلمام بمؤلفاته الرئيسية سيعاون فى توضيح الصورة النهائية التى صاغ فيها الخوارزمى مصنفه الجغرافى المتعلق بمدار هذا البحث.
يطلق على هذا المصنف اسم «صورة الأرض» وهى الترجمة المعهودة فى ذلك العصر للفظ «جغرافيا» اليونانى (١٠) ؛ ولكن الكتاب قد حمل فيما يظهر عدة أسماء ، فمثلا يذكره أبو الفدا فى القرن الرابع باسم «رسم الربع المعمور» (١١) ؛ وتم تأليفه عقب وفاة المأمون بين عامى ٢٢١ ـ ٨٣٦ ه و ٢٣٢ ه ـ ٨٤٧ كما أثبت ذلك بارتولدBartold (١٢). وقد حالف التوفيق فرين Fra؟hn فدلل بالكثير من قوة الحدس ، وذلك قبل اكتشاف المخطوطة ؛ على أن القطع المجهولة المؤلف التى يوردها أبو الفدا إنما ترجع إلى هذا المصنف
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)