ثم يتابع ساحل أفريقيا الشمالى ابتداء من برقة إلى المحيط ثم يلى هذا بالتتابع وصف مراكش والبربر والسودان والزنوج ، وتشغل الأندلس الجزء الأخير (١).
وتقدير العلماء الأوروبيين للدمشقى لا يخلو من بعض التحفظ فهم يعتبرونه عادة دون الكوزموغرافيين الآخرين من وجهة النظر العلمية ، فمثلا دفيك Devic يراه دون القزوينى بكثير سواء من حيث المعرفة أو روح النقد (٢٦). والدمشقى على نقيض أبى الفدا يهمل الجغرافيا الرياضية ولكن كتابه الذى يعتبر فى آن واحد مصنفا فى الجغرافيا والكوزموغرافيا يفضل كتاب أبى الفدا من حيث تبويب مادته ولو أنه أقل ملاءمة لروح عصره (٢٧) ؛ وهو ذو أهمية كبيرة من وجهة نظر التاريخ الطبيعى (٢٨) لأنه يحفل بمعطيات وافرة فى النبات والحيوان والمعادن وطبقات الأرض ؛ ويغلب على طابع الكتاب الميل إلى الروحيات ولكن ليست من ذلك الطراز البدائى البسيط. ومن تحليل مصنف آخر له يجادل فيه نصارى قبرص الذين تصدى للرد عليهم أيضا مواطنه ومعاصره المشهور ابن تيمية يستبين لنا أن الدمشقى لا ينتمى إلى مدرسة المتصوفين القديمة المعادية لكل فكر فلسفى بل ينضم إلى ذلك الاتجاه الذى اقتفى أثر ابن العربى والذى يجيز تطبيق المنهج التشككى فى حدود معينة (٢٩).
ومما يزيد فى قيمة كوزموغرافيا الدمشقى والمصنفات المشابهة له وجود معلومات غير قليلة فيها نفتقدها لدى المؤلفين الآخرين ، هذا إلى جانب الإشارة إلى مواضع جغرافية معينة تصمت عنها المصادر الأخرى صمتا مطبقا. وتحتل المكانة الأولى مادته عن الشام وفلسطين التى عاش كل حياته فيها والتى يعتبر كتابه مصدرا أساسيا بالنسبة لجغرافيتها وتاريخها ، وفى الواقع أن وصفه لهذه البلاد يعتبر من أكمل ما عرف فى هذا الصدد (٣٠) ، وعند المقارنة به تهبط قيمة الأقسام الأخرى من كتابه المكرسة للكلام على البلاد الواقعة إلى الشرق من البلاد العربية خاصة مناطق المحيط الهندى (٣١) كما بين ذلك فيران Ferrand. أما فيما يتعلق بالهند نفسها فقد أدان العلماء الدمشقى بأخطاء عديدة (٣٢).
وترد الإشارة فى مقدمة بعض المخطوطات إلى خارطة بالكتاب إلا أنه لم يمكن الكشف عنها حتى الآن فى أية واحدة من المخطوطات المعروفة (٣٣) ؛ بيد أنه إذا أخذنا فى الاعتبار أن جميع كتب الكوزموغرافيا من هذا الطراز كمصنف القزوينى والحرانى وابن الوردى قد وجدت بها خارطة مستديرة للعالم فإن الاحتمال يغلب بوجودها عند الدمشقى أيضا. وبعض مخطوطات الكتاب يحمل عددا كبيرا من الرسومات التخططية ، ويقدم لنا كونراد ميلر تحليلا لثلاثة منها يبين أحدها تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم ويوضح الآخر توزيع الشعوب على الأرض بينما يمثل الثالث رسما للبحر الأبيض المتوسط (٣٤).
والدمشقى نادرا ما يشير إلى مصادره وهى جميعها أسماء معروفة لنا كابن حوقل والمسعودى والبكرى والإدريسى (٣٥) ؛ ويحتل مكانة بارزة من بينها معاصره أحمد الطينى ، ولعله هو نفس ذلك المؤلف
__________________
(*) لا ضير فى أن نضيف أن الباب التاسع والأخير يبحث «فى وصف انتساب الأمم إلى سام ويافث وحام أولاد نوح».
(المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)