فى الكتاب فلا تتعدى الخمسة عشر عاما الأولى من القرن الرابع عشر ؛ وهناك أساس للافتراض بأن الكتاب قد تم تأليفه فى عام ٧١٦ ه ـ ١٣١٦ ـ ١٣١٧ ؛ وأحيانا قد يسوق النساخ تكملة هذا الكتاب إلى نهاية القرن الرابع عشر.
وقد كان لنمط الخطط ، وهى طراز من الجغرافيا التاريخية قائم بذاته ، ممثلوه فى هذا العصر أيضا فهم كأنما كانوا يمهدون الطريق بهذا إلى الاكتمال الذى بلغه هذا الفرع من الأدب الجغرافى فى مؤلف المقريزى القيم. وبفضل الشذرات التى حفظها لنا المقريزى نفسه أصبح معروفا لنا اسم أحد المصنفات الأساسية فى هذا المجال وهو لمحمد بن عبد الوهاب الزبيرى الذى اشتهر باسم ابن المتوج (توفى فى عام ٧٣٠ ه ـ ١٣٣٠) (١٤) وكثيرا ما أطلق عليه لقب ابن القاضى ، وأغلب الظن أنه ينتمى إلى نفس الوسط الإدارى الذى ينتمى إليه المؤلف السابق عليه ؛ أما كتابه فباستثناء حالات طفيفة تتعلق باختلاف القراءات فإنه يحمل عنوان «كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمل». ويقول عنه المقريزى إنه كان آخر مؤرخ للخطط (١٥) وأنه «يبين جملا من أحوال مصر وخططها إلى أعوام بضع وعشرين وسبعمائة ، قد دثرت بعده معظم ذلك فى وباء سنة تسع وأربعين وسبعمائة ثم فى وباء إحدى وستين ، ثم فى غلاء سنة ست وسبعين وسبعمائة» (١٦).
ومن الطريف أن المقريزى الذى استقى منه مادة وافرة عن بلاد مصر وآثارها المختلفة ومساجدها ومشاهدها (١٧) لا يشير إليه إطلاقا فيما يتعلق بالقاهرة التى يغلب على الظن أنه لم يعالج الكلام عنها (١٨) ؛ كما ينقل عنه القلقشندى (١٩) فى موسوعته الدواوينية. ويشير حاجى خليفة (٢٠) عدة مرات إلى مصنفه ولكن فى عبارات تحمل على الاعتقاد بأنه لم يطلع على الكتاب نفسه بل كان يكرر ألفاظ المقريزى (٢١) ؛ وكما هو معلوم فإن ذلك المؤرخ الكبير للمؤلفات الإسلامية (Bibliograph) أبعد من أن يكون قد رأى رأى العين (de visu) جميع المصنفات التى تحدث عنها.
وإلى جانب المؤلفات الجغرافية من طراز الفضائل والخطط فإن مصر عرفت فى القرن الرابع عشر أيضا المؤلفات المتعلقة بمسح الأراضى حينا فى شكل رسمى جاف وحينا آخر موضحة بمعلومات إضافية ؛ وآخر هذه «الروكات» ، أى سجلات مسح الأراضى ، وأبعدها صيتا هو «الروك الناصرى» المعروف والذى يرجع تاريخه إلى عام ٧١٥ ه ـ ١٣١٥. ويفترض دى ساسى أنه قد وجد أيضا «روك» آخر تم وضعه فى عهد الملك الأشرف شعبان فى حوالى عام ٧٧٧ ه ـ ١٣٧٥ ؛ وقد نشر له هذا المستشرق ترجمة فى تذييلاته لكتابه عن عبد اللطيف البغدادى. وكما بين موريتز (٢٢) فإن هذا الأثر لا يمثل فى الواقع وثيقة رسمية بل هو عبارة عن مرشد عمل من أجل عمال الدواوين ويحمل عنوان «تقويم البلدان المصرية فى الأعمال السلطانية» ، وهو مضمن برمته فى مصنف متأخر من تأليف يحيى بن الحيعان الذى سيمر بنا الكلام عليه فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) (٢٣).
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)