فقد اهم الراهب قبل كل شىء بالمسائل المتعلقة بالعبادة ، ولكنه قوى الملاحظة شديد الانتباه ينعكس فى وصفه طابع الجدة الذى نلتقى به عادة لدى الإنسان القادم من بيئة مغايرة. ومن الجلى أن مصنفات ابن العبرى وسيرة حياة ماريا باللاها قد تم تأليفها فى وسط نصرانى بحت وفيه انتشرت وعرفت من دون أن يكون لها أثر كبير فى التطور العام للأدب العربى ؛ غير أن المصنفات العربية لابن العبرى لم تقتصر قراءتها على الوسط النصرانى وحده ، وقد رأينا كيف أن مصنفاته السريانية نفسها قد ترجمت إلى العربية ؛ أما سيرة ماريا باللاها الثالث فقد وجدت بدورها طريقا ولو فى صورة موجزة إلى مصنف عربى للقرن الرابع عشر يعرف باسم «كتاب المجدل» (١٤١)
إزاء كل هذا فمن العسير القول بحدوث تدهور فى الأدب الجغرافى فى القرن الثالث عشر ؛ حقا إنه لم يشق طرقا جديدة أو يبتدع أنماطا لم تعرف من قبل ولكنه بلغ الأوج فى بعضها مثل الكوزموغرافيا. وسيقابلنا فى القرن الرابع عشر التالى لهذا ازدهار نمط جديد هو نمط الموسوعات الكبيرة التى يفرد فيها للجغرافيا مكان هام. أما من حيث الكم فقد ظل الأدب الجغرافى حافلا بمؤلفاته إلى بداية نهضة الأدب العربى فى القرن التاسع عشر. بيد أن النتيجة الحتمية للغزو المغولى كانت فى أن فقدت اللغة العربية سيطرتها نهائيا على المشرق واحتلت مكانها هناك اللغة الفارسية التى أخذت تظهر بها ابتداء من هذا العصر بالذات مصنفات تاريخية وجغرافية تمثل قمة الإنتاج الأدبى بالنسبة لعصرها فى جميع أقطار العالم الإسلامى. ومن الملاحظ فى القرن الرابع عشر أن المصنفات العربية الكبرى فى هذا المجال قد ظهرت بالشام ومصر اللتين احتفظتا بقصب السبق حتى العصر الحديث تقريبا هذا بينما توقفت العراق عن أن تلعب أى دور ذى بال فى هذا الميدان.
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)