واسمه بالعربية أبو الفرج غريغوريوس بن العبرى الملطى (١٢٠) ؛ وكنيته ابن العبرى تشير إلى أصله اليهودى وقد ساقت فى شكلها السريانى برعبرايا إلى التسمية اللاتينية برهبرايوس Barhebraeus التى ثبتت عليه فى العلم الأوروبى خاصة. وكان مواطنا ومعاصرا لمعظم كبار المؤلفين الذين مر ذكرهم فى هذا الفصل ؛ وقد ولد بمدينة ملطية عام ١٢٢٦ أى قبل ثلاثة أعوام من وفاة ياقوت وتوفى بمراغه عام ١٢٨٦ أى بعد ثلاثة أعوام من وفاة القزوينى وجوينى. وكان متمكنا فى الأدبين السريانى والعربى على السواء وألف فى كل فرع من فروع العلوم المعروفة آنذاك مخلفا فى كل منها مؤلفات جامعة تمثل خلاصة معارف عصره. أما بالنسبة لمواطنيه السريان فقد كان نشاطه العلمى فاتحة عهد جديد ، هذا على حين أنه اشتهر فى العلم الأوروبى غالبا كمؤرخ ولا يزال يحتفظ ببعض هذه الشهرة حتى الآن. أما أهميته بالنسبة لنا فتتصل ببعض مصنفاته التى ترتبط ارتباطا مباشرا بالجغرافيا.
وأحد هذه المصنفات وهو «سلاكه خوننايه» («صعود العقل») الذى يرجع تاريخ تأليفه إلى عام ١٢٧٩ يمثل رسالة متكاملة فى الفلك والكوزموغرافيا تعرض باختصار «المجسطى» لبطلميوس مع إضافات مختلفة تقع فى قسمين أحدهما مكرس لشكل السماء والأجرام السماوية وأفلاكها والثانى لشكل الأرض والظواهر الجوية وما يرتبط بذلك. وفى هذا القسم الأخير يرد وصف لتقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم ولبحارها وجزرها وأنهارها ثم حساب الوقت ومسائل التقويم وأبعاد النجوم من الأرض وأحجامها بالنسبة للأرض الخ (١٢١) ؛ وكل هذا التقسيم يذكرنا بشدة بالمؤلفات العربية المماثلة فى ميدان الجغرافيا الرياضية مما سبق الكلام عنه فى حينه. ولعل تأليف هذا الكتاب يرتبط بالدروس التى ألقاها ابن العبرى فى مراغه بين عامى ١٢٧٢ و ١٢٧٩ (١٢٢). وكما بين المتخصصون فى هذا الميدان فقد ظل هذا المصنف هو الرسالة الجديدة الوحيدة فى الجغرافيا الفلكية باللغة السريانية (١٢٣) ؛ وكشف بعض العلماء فيه عن معرفة جيدة بالبيرونى (١٢٤) ، الأمر الذى أيدته مصنفات أخرى لابن العبرى. ومن المحتمل أنه يرتبط بهذا المصنف الكبير «زيج» (جداول فلكية) وتقويم فلكى ، وقد ورد ذكر الاثنين معا فى المصادر على أنهما مصنفان قائمان بذاتهما (١٢٥). هذا وموسوعته الكبرى فى اللاهوت «منارث قدشى» («منارة الأقداس») التى يحلل فيها الأسس التسعة عشر للإيمان الصحيح تضم مادة جغرافية ضخمة (١٢٦) ؛ والمكانة الأولى بينها تحتلها المعرفة بوجه عام وتأتى بعدها فى المرتبة الثانية معرفة العالم الطبيعى ، وهنا ينتهز ابن العبرى الفرصة ليسوق ضروبا من المعلومات يمكن أن نذكر بصددها على سبيل المثال أنه يمكن عمل قائمة للأزهار التى ورد ذكرها لدى ابن العبرى (١٢٧). وهذه الرسالة معروفة بأكملها فى ترجمات عربية (١٢٨).
وفى شخص ابن العبرى ينعكس بقوة تأثير الثقافة العربية الإسلامية ؛ ولعل هذا يبدو بصورة أقوى فى أثره العلمى الثالث الذى يرتبط ارتباطا وثيقا بالجغرافيا أعنى بذلك مصورا له للعالم شبه مستدير يرتبط على السواء بكتابه «منارث قدشى» (١٢٩) وبتاريخه (١٣٠) ، وقد كشف عنه حتى الآن فى أربع
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)