عرفت كوزموغرافيا القزوينى فى رواية قصيرة واسعة الانتشار توجد فى طبعات عديدة موجزة وفى مسودات جديدة قد تحمل أحيانا عنوانا مخالفا للعنوان الحقيقى للكتاب : وتوجد أقدم مخطوطاته المعروفة لنا بميونخ ويرجع تاريخ تدوينها إلى عام ٦٧٨ ه ـ ١٢٨٠ أى والمؤلف على قيد الحياة (٤٥) ؛ وهى مزودة بالرسوم المصغرة (المنمنمات) Miniatures كما هو الحال مع عدد كبير من مخطوطات ذلك الكتاب ؛ والشىء الطريف فى الأمر أن علماء الحشرات Entomologists يفترضون أن ذلك ربما يكون قد تم تحت إشراف القزوينى نفسه (٤٦). ويميز العلامة فستنفلدWüstenfeld الذى ندين له بنشر الكتابين ، رغما من أن المادة لم تكن بأجمعها فى متناول يده ، بين ثلاث مسودات لهذا الكتاب قام بتحضيرها حسب رأيه القزوينى نفسه (٤٧) ؛ إلا أنه تبين فيما بعد أن الأمر أكثر تعقيدا مما ظن فستنفلد. فمؤرخ العلوم الدقيقة المستعرب المعروف روسكاRuska قد كشف النقاب عن وجود مسودة رابعة وذلك عند تحليله للفصول الأنثربولوجية والمعدنية من الكتاب خاصة الأسطورة المشهورة عن «حجر المطر» عند الشعوب التركية. وتنتمى أقدم مخطوطات الكتاب إلى المسودة الثانية التى وضح أنها أكثر المسودات انتشارا فى اللغة العربية والتى توجد فى عدد كبير من المخطوطات. أما المسودة الثالثة فلا يوجد أصلها العربى ، وطابعها المميز هو أنه قد أضيف إليها الفصلان السابع والثامن اللذان يعالجان الكلام عن الشعوب والحرف. وهذه المسودة الأخيرة ليست من عمل القزوينى وهى الأساس الذى اعتمدت عليه الترجمات الفارسية واستندت إليه المسودة الرابعة ؛ وهذه الأخيرة هى آخر المسودات من الناحية الزمنية وأكثرها انتشارا إلى أيامنا هذه وتمتاز بالعدد الكبير من الزيادات التى أدخلت على فصولها المختلفة فهى وحدها مثلا التى تتحدث عن القبائل التركية فى القرن العاشر وهى وحدها كذلك التى تتضمن القطع المعروفة لنا جيدا لأبى دلف وابن فضلان والفصول عن الأحجار الكريمة للخازنى ؛ ولا يوجد ثمة شك فى أن هذه المسودة لا ندين بها لقلم القزوينى فالمخطوطة الأساسية لها تحمل عنوانا مغايرا وتعتبر نفسها شرحا للقزوينى.
هذه المسودة الأخيرة بالذات هى التى طبعها فستنفلد ومن ثم فإن الكوزموغرافيا التى نشرها لا يمكن اعتبارها بأية حال الأصل الذى أعده القزوينى نفسه بل تمثل آخر رواية مصلحة للكتاب وترجع على ما يبدو إلى القرن الثامن عشر. وقد زاد فستنفلد من تعقيد المسألة بشكل ملحوظ بإسقاطه لقطع منها واستعانته بمخطوطات المسودات الأخرى لملء الفجوات المختلفة وبهذا يوجد بين أيدينا فى الواقع متن يقوم على أساس تحكمى (arbitrary) ولا يعكس أية واحدة من المسودات الموجودة بين أيدينا (٤٨) وهو أمر يجب عدم إغفاله بالنسبة لجميع المسائل المتعلقة بدراسة «كوزموغرافيا» القزوينى. لكل هذا فلا تزال الحاجة ماسة إلى طبعة علمية تعتمد قبل كل شىء على أقدم مخطوطات المسودة الثانية للكتاب.
وإذا كان من الواجب عدم تجاهل السابقين للقزوينى فى هذا المضمار فإنه يجب من جهة أخرى الاعتراف بمصنفه كأكبر أثر من هذا النوع كسب انتشارا واسعا فى جميع آداب الشرق الإسلامى. ومن
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)