عليه طابع أكثر جدية فضلا عن أن مادته أحفل بكثير من مادة الغرناطى (٧٨). وعنوانه «عجائب المخلوقات» ، بل وتبويبه فى عشرة فصول («قانون وأركان») (٧٩) يكشف عن شبهه الشديد بمصنف زكريا القزوينى الذى ظهر بعد قرن من ذلك (٨٠). وكان تأليفه كما يجب أن يفترض من التاريخ الذى يسوقه المؤلف هو حوالى عام ١١٨٠ (٨١) ؛ ويستند على محض خطأ التاريخ الذى يذكره حاجى خليفة (وهو عام ٥٥٥ ه ـ ١١٦٠) (٨٢) ، وهو خطأ وجد طريقه إلى بعض المؤلفين الأوروبيين. أما عن المؤلف نفسه فلا نكاد نعلم شيئا ، ويرد اسمه فى الغالب على أنه محمد بن محمود بن أحمد (٨٣) ويلوح أن أصله من همدان ، ودليل ذلك أشادته بتلك المدينة مما يفوق كثيرا ما كتبه عن طوس (٨٤).
ودليل آخر على ارتباطه بموطنه استعماله الكثير لابن الفقيه وذلك فى مسودة تشبه إلى حد كبير مخطوطة «مشهد» (٨٥) المعروفة لنا. كذلك يكشف عن معرفة مباشرة كهذه بابن فضلان رغما من أنه ينقل روايته بالكثير من الخلط (٨٦) ؛ ومعروفة لديه أيضا مذكرات أبى دلف. وكما هو الأمر فى كثير من الأحايين مع جغرافيى العهود المتأخرة فإن المعلومات المتعلقة بالقرنين الحادى عشر والثانى عشر يسودها الكثير من الاضطراب لدى المقارنة بما عليه الحال مع العهد السابق لذلك الذى توجد عنه مصادر يمكن الاعتماد عليها أكثر (٨٧).
والعدد الهائل لمخطوطات هذا المصنف الموجودة بأوروبا قد لفت النظر إليه ، خاصة فيما يتعلق بتاريخ شعوب أوروبا الشرقية ؛ وقد حاز قصب السبق فى الكشف عن قيمته بالنسبة لهذا الموضوع المستشرق فون هامرVon Hummer الذى نقل عنه مقتطفات عديدة فى مؤلفه الذى ظهر عام ١٨٢٥ عن «أصل الروس» Sur les Origines Russes (٨٨). وقيمة هذه المقتطفات كما هو الأمر دائما ليست عالية ولكنها لعبت دورها فى البحث العلمى ، ففى عهد فرين Fra؟hn لم تكن توجد مخطوطة لكتاب طوسى بسان بطرسبرغ فاضطر إلى الاستعانة فى بحثه المشهور عن ابن فضلان بما نقله هامر (٨٩). وفقط بعد أعوام طويلة من ذلك تمكن دورن Dorn من الاستعانة بأشهر مخطوطة لطوسى بأوروبا وهى مخطوطة غوتاGotha (٩٠) ، وذلك فى أبحاثه عن بحر قزوين وسواحله. ويمتلك معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية فى الوقت الحاضر مخطوطتين للكتاب لم تفحصا بعد فحصا كاملا دقيقا (٩١).
وفى بعض مخطوطات طوسى ، خاصة مخطوطة غوتا ، توجد خارطات يبلغ عددها ستة فى العادة ، وهى لبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط وبلاد الجبال والسند والخليج الفارسى وبلاد العرب (٩٢). ولعله من فحصها يمكن الافتراض بأنها ذات علاقة ما «بأطلس الإسلام» ؛ وقد لاحظ دورن عند نشره لخارطة بحر قزوين أنه مرسوم فى الواقع على طريقة الاصطخرى (٩٣). غير أن أفضل الخبراء قاطبة بالكارتوغرافيا العربية ، وهو كونراد ميلرK.Miller الذى نشر جميع هذه الخارطات فى أطلسه نقلا عن مخطوطة غوتا (٩٤) المذكورة قرر أن «خارطات طوسى فريدة فى نوعها وغير عادية (٩٥)» :
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)