الكنانى» نسبة إلى القبيلة التى ينتسب إليها. وعلى هذه الرحلة بالذات تعتمد شهرته الأدبية بين الأجيال التالية ؛ ولو أن هذه الشهرة قد اقتصرت بالطبع على المغرب. وقد أفاد منه فائدة كبرى الجغرافيون والمؤرخون مشيرين إلى اسمه تارة ومضمنين ببساطة قطعا كبيرة منه فى مصنفاتهم تارة أخرى. فمن بين الرحالة أخذ عنه العبدرى وخالد بن عيسى البلوى (حوالى عام ٧٣٦ ه ـ ١٣٣٥) وابن بطوطة المشهور أو راويته على الأصح (٢٣٧) ؛ ومن بين المؤرخين رجع إليه ابن الخطيب والمقريزى والفاسى وأيضا المقرى (٢٣٨) الذى كما هى عادته قد حفظ لنا روايات عديدة هامة منه. وتلميذ ابن جبير هو الشريشى (توفى عام ٦١٩ ه ـ ١٢٢٢) شارح مقامات الحريرى المشهور الذى حفظ لنا شذورا كبيرة من رحلة أستاذه (٢٣٩).
ورغما عن ذيوع صيته فإن الدوائر العلمية الأوروبية لم تعرف إلى الآن سوى مخطوطة وحيدة لرحلته موجودة بلندن ويرجع تاريخها إلى عام ٨٧٥ ه ـ ١٤٧٠. وقبل التعرف عليها وجدت عن ابن جبير معلومات مهملة متناثرة فى مصادر أخرى ؛ وقد أصبحت الرحلة معروفة بفضل الطبعة الجزئية لدوزى وأمارى ، وهو أمر مفهوم بالنسبة لأهمية مادته عن صقلية بالذات. ولا يخلو من طرافة أن نذكر فى هذا الصدد أن الشيخ الطنطاوى (١) الذى كان يدرّس آنذاك ببطرسبرغ قد أخد طرفا فى تلك الطبعة (٢٤٠). ولم تلبث الرحلة أن أصبحت فى متناول الأيدى بفضل الطبعة الكاملة التى نشرها المستشرق البريطانى رايت رايت Wright (١٨٥٢) فى بداية نشاطه العلمى ولمّا يتجاوز سن الثانية والعشرين ، ثم بفضل الترجمة الإيطالية الجيدة بقلم اسكياباريلى Schiaparelli (١٩٠٦) (٢٤١). وبعد أكثر من نصف قرن أعاد دى خويه (١٩٠٧) طبعة رايت مع تصحيحات عديدة ؛ أما المخطوطة التى تم الكشف عنها خلال تلك الفترة بفاس فإنها لم تجلب تصحيحات ذات أهمية (٢٤٢).
ووفقا لمضمونها فإن «رحلة الكنانى» تمثل أهمية قصوى فى تصوير حياة ذلك العصر ، فهى تقدم وصفا حيا لمصر والشام عندما بدأت فيهما حركة التحرير الإسلامية ضد الصليبيين بزعامة نور الدين وصلاح الدين. وهى فى هذا تقترب كثيرا من مذكرات الأمير أسامة بن منقذ ، بالرغم من الاختلاف الكبير فى المنهج وطريقة العرض بين المؤلفين. وفى تحليله لرواية ابن جبير عن الشام اعترف الأب لامنزLammens بأن ابن جبير (٢٤٣) يمتاز بقوة ملاحظة نافذة. وللرحلة قيمة فريدة فيما يتعلق بتصويرها لحياة مسلمى صقلية ، ففى طريق عودته مر ابن جبير فى ديسمبر من عام ١١٨٤ على ساحل صقلية الشمالى من مسيناMessina إلى ترابانى Trapani وبقى هناك إلى فبراير سنة ١١٨٥ يرقب عن كثب مظاهر الحضارة المادية والروحية لإخوته فى الدين. والمهم فى روايته ليس وصفه لآثار العصور الوسطى
__________________
(*) هو أستاذ مصرى اشتغل بتدريس العربية بجامعة بطرسبرغ وتوفى بها عام ١٨٦١. وقد ترك لنا كراتشكوفسكى بحثا طريفا عن حياته ونشاطه العلمى. (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)