الممتازة بصقلية بل أيضا لبلاط النورمان الذى لم يترك لنا الكتاب اللاتين المعاصرين شيئا يذكر عنه (٢٤٤).
وتعتبر رحلة بن جبير من الناحية الفنية ذروة ما بلغه نمط الرحلة فى الأدب العربى. وإذا كان وصفه المفصل للأبنية مملا للقارئ العادى فإن أسلوبه يمتاز بالكثير من الحيوية وسهولة التعبير ، مثال ذلك وصفه لجمارك الإسكندرية أو لكارثة السفينة على سواحل صقلية. أما عرضه العام فيستهدف الصنعة والأناقة ، وهو كثيرا ما يلجأ إلى السجع الذى يعالجه بالكثير من المهارة دون أن يبالغ فيه أو يضطر القارئ إلى تكلف الجهد فى تفهمه. كما يشحن كتابته بالاقتباسات الأدبية والإشارات اللطيفة مما يتطلب درجة معينة من المعرفة والاطلاع حتى يضحى مفهوما للقارئ. وبعد فهذا مصنف رفيع الأسلوب يختتم بجدارة حلقة الجغرافيين الأندلسيين لهذا العصر.
ومن الطبيعى أن شخصيات لامعة كالبكرى والإدريسى وابن جبير لا تستغرق حلقة مؤلفى المغرب ، إذ نلتقى إلى جانبهم بمصنفات أقل شهرة ولكنها لا تخلو أحيانا من بعض الصلة بهم ، أحدها هو «كتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار» لمؤلف مجهول (٢٤٥). ويدين العلم بمعرفته إلى كريمرA.Kremer الذى نشر المتن عام ١٨٥٢ معتمدا على مخطوطة فينا مع عرض مفصل لمضمون الكتاب باللغة الألمانية. ومخطوطة باريس التى استعملها لأول مرة أمارى (٢٤٦) قد ساعدت فى تغطية الفجوات الموجودة بمخطوطة فينا ، غير أنها لا هى ولا مخطوطة الجزائر عاونتا على حل المشاكل المتعلقة بأصل الكتاب ومضمونه. أما ترجمة فانيان Fagnan (١٩٠٠) التى اعتمد فيها على المخطوطات الثلاث وزودها بكمية من الشروح والتعليقات فهى تمثل خطوة فى هذا السبيل ولو أنها لا تقدم لنا الكتاب فى صورته الكاملة (٢٤٧). ولا يتطرق الشك إلى صلته بالبكرى غير أن باب الاستنتاج يقف عند هذا الحد ، ويرجع تاريخ تأليف الكتاب إلى عام ٥٨٧ ه ـ ١١٩١ ، ويتضح هذا من مضمونه (٢٤٨). ويلوح لنا أن المؤلف أدى فريضة الحج فهو يصف الحرمين وصفا مفصلا ثم ينتقل إلى الكلام عن مصر ويتحدث عن أهراماتها (٢٤٩) ؛ وبعد هذا ينتقل شمالا إلى الكلام عن شواطئ المحيط الأطلنطى ، ثم يورد لنا فى الغالب مادة البكرى (٢٥٠) واصفا المدن وفقا لترتيب جغرافى معين مضيفا إلى ذلك بعض روايات المعاصرين (٢٥١). وهو يجهد فى تسجيل جميع ما رآه فى طريقه وكل ما سمعه عن البلاد المحيطة (٢٥٢) ومن ثم فهو يختلف عن البكرى لا فى التبويب وترتيب المادة (٢٥٣) فحسب بل وأيضا فى أنه يصف أفريقيا الشمالية وصف شاهد عيان (٢٥٤) ويقتصر فى عرضه على الجغرافيا الوصفية وحدها (٢٥٥). وأغلب الظن أن المصنف لم يصلنا فى مسودته الأصلية ، فالعرض يرد على لسان من يدعى «الناظر» ، وهو الذى (نظر) فى الكتاب فى عهد أبى يوسف يعقوب الموحدى (الذى حكم ابتداء من عام ٥٨٠ ه ـ ١١٨٤) وأضاف إليه روايات تتعلق بانتصار الخليفة وسفارة صلاح الدين الأيوبى إلى فاس فى عام ٥٨٨ ه ـ ١١٩٢. أما مؤلف الكتاب نفسه فيأتى ذكره على ما يبدو تحت اسم «المؤلف» وتذكر إلى جانبه مصادر أخرى (٢٥٦). وجميع هذه النقاط
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)