أسرة عربية عريقة ، فقد دخل أسلافه الأندلس فى القرن الثامن (٢٣٠) مع القائد المشهور بلج بن بشر ابن عياض القشيرى ؛ وكان اسم ابن جبير من الأسماء المحببة إلى أسرته فقد حمله الكثيرون قبله (٢٣١). وموطن الأسرة على ما يبدو كان بلنسيةValencia ، وقد ولد ابن جبير عام ٥٤٠ ه ـ ١١٣٥ والتحق مبكرا بأعمال الدواوين والكتابة كأبيه (٢٣٢) وعمل مدة طويلة كاتبا لحاكم غرناطة من الموحدين ، ولم يلبث أن كسب الشهرة ككاتب وشاعر وله ديوان شعر متعدد الرواية ولكن المعروف عنه قصائد متفرقة ؛ كما ترك لنا أيضا رسائل نثرية كسبت بعض الشهرة (٢٣٣). ولم يكن بوسعه أن يشتهر فى الدوائر العلمية الأوربية على أساس هذا ، أى قبل التعرف على رحلته التى ضمنت له مكانة مرموقة فى الأدب الجغرافى.
وفى سن مبكرة توجه إلى الحج فغادر عرناطة فى رفقة أحد الأطباء وذلك فى فبراير من عام ٥٧٨ ه ـ ١١٨٣. وخط سير رحلته معروف لنا جيدا بفضل الإشارات الدقيقة والتواريخ المحددة (٢٣٤) ، فقد مر بسبتة وسار بمحاذاة سواحل سردينيا وصقلية حتى دخل ميناء الإسكندرية ، ومنها ركب النيل إلى القاهرة. ثم غادرها إلى صعيد مصر فوصل إلى مرفأ عيذاب وهو المرفأ المعهود للحجاج على البحر الأحمر. ونزل بجدة وأخذ قافلة إلى مكة حيث أقام هناك حوالى نصف عام ؛ ثم مر بالمدينة فى طريقه إلى الكوفة وزار بغداد وسامرا فالموصل فحلب ومنها إلى دمشق التى أمضى بها بضعة أشهر قبل أن يغادر الأراضى الإسلامية فقد كانت سواحل الشام آنذاك فى قبضة الصليبيين. ومن ميناء عكا أخذ ابن جبير سفينة مسيحية فنزل بصقلية وذلك بعد رحلة طويلة حافلة بالمشاق لم تخل من كوارث هددت السفينة. وفى هذه المرة استطاع أن يتعرف على الجزيرة عن كثب ، وفى أبريل من عام ٥٨١ ه ـ ١١٨٥ وصل إلى غرناطة بعد غيبة دامت أكثر من عامين. ومن الجلى أن انطباعاته عن المشرق كانت قوية جدا وانعكست فى قصيدة له طويلة يشيد فيها بصلاح الدين الأيوبى الذى تعلقت به آنذاك أنظار المسلمين ؛ ولم يمض وقت طويل فإذا بابن جبير لدى سماعه باستيلاء صلاح الدين على بيت المقدس (٥٨٣ ه ـ ١١٨٧) يخرج فى رحلة ثانية تستغرق عامين (٥٨٥ ه ـ ٥٨٧ ه ـ ١١٨٩ ـ ١١٩١) ، ولكن لم تحفظ لنا تفاصيل عنها. كذلك نعرف القليل عن الأعوام الأخيرة من حياته ؛ وقد قام برحلة ثالثة إلى المشرق وهو شيخ كبير قد أحزنته وفاة زوجه فى عام ٦٠١ ه ـ ١٢٠٤ (٢٣٥) ، ولم يرجع إلى الأندلس مرة أخرى بل أمضى أكثر من عشرة أعوام متنقلا بين مكة وبيت المقدس والقاهرة مشتغلا بالتدريس والأدب إلى أن وافته المنية بالإسكندرية فى عام ٦١٤ ه ـ ١٢١٧.
ورحلته الأولى فقط هى التى ترك لنا وصفها على هيئة يوميات فى كتاب منفرد وضعه بعد رجوعه حوالى عام ٥٨١ ه ـ ١١٨٥. وعنوانه غير معروف لنا بالضبط ، ويوجد له عنوانان تغلب عليهما الصنعة هما «كتاب اعتبار الناسك فى ذكر الآثار الكريمة والمناسك» ، و «تذكير بالأخبار عن اتفاقات الآثار» ، ولكن كلاهما منحول على ما يظهر (٢٣٦). ويمكن القول بأن العنوان ربما كان بكل بساطة «رحلة
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)